ومن شديد الخطورة التي تبعث على الأسى والمضاضة أن نجد هذه الظاهرة متلبسة بأهل الكتاب من اليهود والنصارى - أولئك الذين لم يبرحوا تقليد آبائهم وأجدادهم من غير تمحيص أو استبصار أو تدبر، إلا الاتباع الأعمى والانقياد المضلل، لما ورثوه من ملل باهتة مشوهة محرفة، ومن تصور جانح شاطح مجانب للتفكير السليم ومخالف لحقيقة ما جاء به النبيون من بني إسرائيل - لقد اتبعوا ما ورثوه من ركام الضلالات والأخبار المزيفة فزعوا زيغا عظيما - زيغا أفضى بهم إلى الاصطفاء في معسكر العداء والبغضاء والتربص بالإسلام والمسلمين - فها هم أهل الكتاب من يهود ونصارى ما فتئوا يكيدون للإسلام وأهله كل المكائد - ويفتنون في براعة واستباق في التآمر والتأليب على هذا الدين العظيم؛ ليصطلموه اصطلاما 32؛ وليجتثوه من الأرض اجتثاثا أو يذروه مشوها ممزقا مضطربا كالذي ورثوه عن آبائهم وأجدادهم - لكن الله لكل الظالمين والمجرمين والخائنين والمتربصين بالمرصاد؛ ليرد كيدهم في نحورهم ويذيقهم بأس الخزي والافتضاح، ثم ينصر الله جنده المؤمنين المخلصين {يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون} .
قوله: {قل أمر ربي بالقسط} القسط معناه العدل - وقيل: الحق والصدق - قال ابن عباس: القسط هنا لا إله إلا الله.
وهذه هي الشهادة الكبرى، وهي أعظم مقولة تنطق بها الكائنات في هذا الوجود - وهي شهادة ساطعة مجلجلة تحمل الإقرار الجازم الكامل على وحدانية الله، وأنه سبحانه الموجد لكل شيء، وأنه بذلك يستوجب من العباد أن يعبدوه وحده لا شريك له وان لا يعبدوا غيره من الأنداد المصطنعة والآلهة المفتراة من الأوثان والأصنام والطواغيت - وكل صور الأنداد الذين اصطنعتم أهواء الضالين المفسدين والأصنام والطواغيت - وكل صور الأنداد الذين اصطنعتم أهواء الضالين المفسدين من شياطين الجن والإنس - وعلى هذا يأمر الله نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم أن يبين للناس ما أمرهم به ربهم؛ فقد أمرهم بالحق والعدل والاستقامة على صراط والاستمساك بمنهجه وحده دون غيره من مناهج البشر.
قوله: {وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد} أي توجهوا حيثما كنتم في الصلاة نحو الكعبة - وقيل: اجعلوا سجودكم خالصا لله - وقيل: إذا حضرت الصلاة صلوا في كل مسجد، ولا يقل أحدكم: أصلي في مسجدي - وقيل: المراد إباحة الصلاة في كل موضع من الأرض؛ أي حيثما كنتم فهو مسجد لكم، يلزمكم الصلاة عنده وإقامة وجوهكم فيه لله.
قوله: {وادعوه مخلصين له الدين} أي اعبدوه وأطيعوه مخلصين له دون سواه - ويراد بعبادة الله: مختلف ضروب الأعمال الصالحة والطاعات التي ينبغي بها العابد المطيع وجه الله - ويأتي في طليعة العبادات والطاعات توجه العبد إلى الله بالدعاء - ولئن كان العبد المطيع لربه يدعو ربه في إلحاح وضراعة وخشوع لا جرم أن الله مستجيب إن شاء.