وهذه حقيقة يستيقنها كل متدبر مدكر من المسلمين - وهي حقيقة ما ينبغي أن تغيب عن أذهان الداعين إلى دين الله على بصيرة - وهي أن الكفر مهما طغى واشتد وبغى فإنه لا محالة صائر إلى التبدد، والاندثار - وكذلك المشركون الظالمون من أعداء الله والحق، أعداء الإسلام والمسلمين فإنهم مهما اشتدت صولتهم واستطالت شوكتهم واستطار شأنهم وعزهم، وهاج فيهم الغرور والاستكبار وحب السيطرة والاستعلاء فإنهم مهزومون مدبرون أنذال إذا اصطدم غرورهم وعجرفتهم بوحدة المسلمين واستمساكم بعقيدة الإسلام الراسخة المتينة - لا جرم أن المسلمين وهم يمضون متوادين متعاونين متآزرين وقد غمرت قلوبهم نفحة العقيدة والتقوى، ولم يرتضوا عن منهج الإسلام بديلا ولم تفرقهم الأهواء والخلافات والخصومات، فإنهم منصورون بعون الله وتوفيقه، وأن جحافل الكافرين على اختلاف أجناسهم ومللهم، وعلى تعاظم جموعهم وأعدادهم وعساكرهم، لا محالة صائرون إلى الخزي والهزيمة والتبدد - وليس على المسلمين في ضوء هذه الحقيقة إلا أن يتنادوا متماسكين فيتلاقوا حول عقيدتهم الصلبة ومنهج الله العظيم القويم، فإنهم والحالة هذه منصورون ظاهرون أعزة، وأن الكافرين الظالمين المعتدين مهزومون مولون الدبر، يجرجرون الخسران والعار.
قوله: {بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر} يعني بل الساعة موعد هؤلاء المشركين المكذبين لبعثهم وعقابهم - والساعة بما فيها من ألوان العذاب أشد وأفظع وأمر عليهم من هزيمتهم في الدنيا - وأدهى، من الداهية وهي الأمر العظيم 23 ودواهي الدهر ما يصيب الناس من عظيم النوائب 24.
قوله تعالى: {إن المجرمين في ضلال وسعر 47 يوم يسبحون في النار على وجوههم ذوقوا مسّ سقر 48 إنا كل شيء خلقناه بقدر 49 وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر 50 ولقد أهلكنا أشياعكم فهل من مدكر 51 وكل شيء فعلوه في الزبر 52 وكل صغير وكبير مستطر 53 إن المتقين في جنات ونهر 54 في مقعد صدق عند مليك مقتدر} .
يبين الله حال المجرمين الخاسرين من الشقاوة والتعس والإيغال في الخسران وسوء المصير - فقال سبحانه: {إن المجرمين في ضلال وسعر} أي مائلون عن الحق، سادرون في الباطل، وهم كذلك في سعر أي في عناء ونصب، أو في جنون مما هم فيه من الضلال والتكذيب.
قوله: {يوم يسبحون في النار على وجوههم ذوقوا مس سقر} أي يسحب هؤلاء المجرمون إلى النار على وجوههم - وفي ذلك من فظاعة التنكيل ما يروع القلوب ترويعا - وهو تنكيل شديد تكشف عنه كلمات القرآن النفاذة بظلالها الموحية وأجراسها العجاب - يتراءى ذلك للخيال من خلال التعبير بسحب المجرمين في النار على وجوههم، ثم يقال لهم عقب ذلك، زيادة في التنكيل والتعذيب: {ذوقوا مس سقر} وفي الأمر بذوق المس لسقر ما يثير النفور والانقباض والصدمة - وسقر، اسم من أسماء النار.