قوله: {ألا حين يستغشون ثيابهم يعلم ما يسرون وما يعلنون} ألا حين يغطون رؤوسهم بثيابهم في ظلمة الليل وهم في أجواف بيوتهم لا جرم انه يعلم في تلك الساعة ما يسونه في قلوبهم وما يعلنونه بأفواههم - يستوي ذلك كله عند الله {إنه عليم بذات الصور} وذلك تسفيه للمنافقين الضالين الماكرين الذين يطنون أنهم مستخفون عن الله بما يستسرونه في قلوبهم من الحقد والكيد والكراهية للإسلام ورسوله؛ فالله علم بأسرارهم وما تخفيه قلوبهم، وهو سبحانه مطلع على أعمالهم وخباياهم ر يخفى عليه من ذلك شيء 10.
قوله تعالى: {وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين} ما نافية - {من} حرف جز زائد، والدابة، من دب يدب؛ أي مشى يمشي؛ فهو داب وهي دابة - والدابة كل ماش على الأرض، وقد غلب على ما يركب من الحيوان سواء في ذلك المذكر والمؤنث، والجمع دواب 11.
والمعنى: ما من دابة تمشي على الأرض إلا ويأتيها رزقها من الله؛ فهو سبحانه متكفل بما به عيشها من قوت وغذاء وشراب - وهو سبحانه خالق الأحياء لا جرم أنه متفضل بما فيه قوام حياتها حتى تموت - سواء في ذلك الطير السابح في الجو الفضاء، أو البهائم الراتعة على متن الأرض، أو الحيتان الضاربة في أغوار البحر، أو الإنسان البصر، ذو العقل والإرادة والتفكير، كل أولئك رزقهم على الله.
قوله: {ويعلم مستقرها ومستودعها} {مستقرها} ، مكانها الذي تأوي إليه وتستقر فيه، {ومستودعها} ، المكان الذي تموت فيه - وقيل: المستودع حيث كان مودعا قبل الاستقرار من صلب أو رحم أو بيضة.
قوله: {كل في كتاب مبين} كل واحد من الدواب ورزقه وموضع استقراره أو موته، علم ذلك جميعا مكتوب في اللوح المحفوظ.
7 - (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلا وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ مُبِينٌ)
قوله تعالى: {وهو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء ليبلوكم أيكم أحسن عملا ولئن قلت إنكم مبعوثون من بعد الموت ليقولن الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين 7 ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة ليقولن ما يحبسه ألا يوم يأتيهم ليس مصروفا عنهم وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون} .
خلق الله السموات والأرض في ستة أيام {وكان عرشه على الماء} أي فوقه، وذلك يدل على أن العرش والماء كانا مخلوقين قبل خلق السموات والأرض - وما ينبغي أن نمضي في الحديث عن هذه المسألة أكثر من ذلك، فإن الوقوف على حقيقة هذه الأحداث الكونية المذهلة وكيفية خلق السموات والأرض في ستة أيام وتصوره عرش الله فوق الماء، إنما يعلمه الله حق العلم - وما ينبغي للإنسان ذي الإدراك المحدود إلا أن يقف عند ظاهر النص الحكيم مصدقا مستيقنا، ممسكا عن البحث في الكيفية أو الخوض فيما لا طاقة له به.
قوله: {ليبلوكم أيكم أحسن عملا} {ليبلوكم} من البلاء والابتلاء؛ أي الاختبار - والمعنى: أن الله خلق ذلك كله ليختبركم بالاستدلال على كمال قدرته، وأنه هو صانع المقتدر الحكيم، أو ليختبركم أيكم أعمل بطاعة الله وأبعد عن محارمه.