قوله: {فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ} {سَلَقُوكُمْ} ، أي خاطبوكم بما تكرهون 25 فإذا وقف القتال وانقطعت الحرب واطمأن المنافقون والذين في قلوبهم مرض عضوكم بألسنة ذَرِبة فأسمعوكم من الكلام ما يؤذيكم، أو بالغوا في مخاصمتكم والاحتجاج عليكم - وقيل: بسطوا ألسنتهم فيكم عند قسمة الغنيمة قائلين: أعطنا، أعطنا؛ فإنا قد شهدنا معكم - فعند الغنيمة أشح قوما وأبسطهم لسانا، ووقت البأس أجبن قوم وأخوفهم.
قوله: {أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْر} {أَشِحَّةً} ، منصوب على الحال من الواو في {سلقوكم} 26 أي أنهم أشحة على الغنيمة، فهم يشاحون المسلمون عند القسمة - وقيل: أشحة على المال أن ينفقوه في سبيل الله - أو هم بخلاء في بذل الخير على اختلاف وجوهه.
قوله: {أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ} أي هؤلاء الذين تبينت صفاتهم من الشح والجبن والخور وفساد القلب وتثبيط المسلمين {لَمْ يُؤْمِنُوا} أي لم تؤمن قلوبهم وإن كان ظاهرهم الإيمان بما تنطقه أفواههم؛ فهم بذلك كافرون {أَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ} أي لم يجزهم الله عليها خيرا، ولم يؤجروا عليها؛ لأنهم منافقون لا يقصدون وجه الله.
قوله: {وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا} يعني إحباط أعمالهم التي عملوها هين على الله 27.
قوله تعالى: {يَحْسَبُونَ الأحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الأحْزَابَ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الأعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلاَّ قَلِيلًا}
هؤلاء المنافقون والذين في قلوبهم مرض - لفرط جبنهم - أن الأحزاب، وهم قريش وغطفان وغيرهم من الكافرين {لَمْ يَذْهَبُوا} أي لم ينصرفوا، وكانوا قد انصرفوا.
قوله: {وَإِنْ يَأْتِ الأحْزَابَ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الأعْرَابِ} أي إن يأتِ المشركون لقتال المسلمين فإن المنافقين يتمنون {لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الأعْرَابِ} {بَادُونَ} أي خارجون في البادية 28 - بدا فلان يبدو إذا صار في البدو فهو باد.
وأما الأعراب فهم جمع أعرابي - وأما العرب فهم جمع عربي - وإنما قيل أعراب لأهل البدو فرقا بين أهل البوادي والأمصار - فالأعراب أهل البادية والعرب أهل المصر.
قوله: {يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ} هؤلاء المنافقون الجبناء يستخبرون الناس عن أخباركم وعما جرى لكم وهم في البادية، فيتحدثون: هل هلك محمد وأصحابه - فهم يتمنون سماع الأخبار بهلاككم وهم بعيدو عنكم.
قوله: {وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلاَّ قَلِيلًا} أي لو كانوا هؤلاء المنافقون فيكم وخلال صفكم ما نفعوكم بشيء وما قاتلوا المشركين إلا تعذيرا كأنْ يرموا بالحجارة أو النبل على سبيل الرياء.