بيان إجمالي للسورة
هذه السورة مكية كلها - وهي مبدوءة بحرف من حروف التهجِّي، التي يعلم الله وحده حقيقة المراد منها - ثم يُقسم الله بقرآنه الكريم ذي الدرجة العليا والشرف العظيم - وفي المحلوف عليه خلاف.
على أن السورة فيها تنديد شديد بالكافرين الذين عجبوا أن يأتيهم رسول منهم يبلغهم دعوة الله ويدعوهم إلى عبادة ربهم وحده دون غيره من الشركاء فأعرضوا وقالوا: {إنَّ هَذَا شَيْءٌ عُجابٌ} .
وفي السورة مقتضب عن أخبار لفيف من النبيين وأقوامهم الظالمين، كقوم نوح وعاد وفرعون وثمود وقوم لوط وأصحاب الأيكة، أولئك جميعا عتوا عن أمر الله ونكلوا عن عقيدة التوحيد؛ فأخذهم الله بالنكال الشديد في هذه الدنيا قبل يوم القيامة حيث العذاب البئيس - وفي السورة إخبار عن نبي الله داود؛ إذ سخّر الله الجبال معه يسبِّحْن بالعشي والإشراق.
وفيها قصة الملك المؤمن نبي الله الكريم داود عليه السلام؛ فقد آتاه الله المُلْك وأمره بالعدل ونهاه عن اتباع الهوى والشطط، ووهب له الولد الصالح سليمان الذي ورث عنه النبوة وأمانة التبليغ.
وفي السورة قصة النبي الصابر أيوب عليه السلام - فقد أصابه من شديد السقم وبالغ الضَّرَّاء ما لا يطيقه غير أولي العزم من أعاظم الصناديد الأبرار - إلى غير ذلك من قصص النبيين المرسلين كإبراهيم وإسحاق ويعقوب وإسماعيل واليسع وذي الكفل، ثم أخبار القيامة وأهوالها وقواصمها.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قوله تعالى: {ص وَالْقُرْآَنِ ذِي الذِّكْرِ (1) } : {ص} من الحروف المقطعة التي تفتتح بها سور من الكتاب الحكيم - وقد تقدم الكلام عن هذه المسألة.
قوله: {وَالْقُرْآَنِ ذِي الذِّكْرِ} يُقْسم الله بكتابه القرآن {ذِي الذِّكْرِ} أي ذي الشرف العظيم والمكانة العالية، وما اشتمل عليه من تذكير للعباد.
أما جواب القَسَم، فقيل: {بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا} الآية - وقيل: جوابه ما تضمنه سياق السورة بكمالها - وقيل غير ذلك.
قوله: {بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ} العزّة: تعني القوة والغلبة.
والمعنى: أن الذين كفروا بالله ورسوله مستكبرون ممتنعون من التصديق بدعوة الله أو الجنوح للحق - وهم أيضا في شقاق؛ أي مخالفون للحق، مفارقون لدين الله.
قوله: {كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ} : {كمْ} للتكثير، أي: كثيرا أهلكنا من الأمم الكافرة الضالة من قبل هؤلاء المشركين الذين كذبوا محمدا صلى الله عليه وسلم {فَنَادَوْا وَلاَتَ حِينَ مَنَاصٍ} لما نزل بهم العذاب وأحاط بهم العقاب المحتوم فعاينوه معاينة استغاثوا بربهم ولجوا بالتوبة والاستغفار وطلب العون والاستنقاذ {وَلاَتَ حِينَ مَنَاصٍ} {وَلاَتَ} ، حرف بمعنى ليس وله اسم وخبر مثل ليس - وتقديره: ولان الحين حين مناص - ولا يكون اسمه وخبره إلا الحين - ولا يجوز إظهار اسمه؛ أي ليس الوقت حينئذ وقت فرار فقد فات زمن التوبة والاستغفار والآن أوانُ الحساب والجزاء.