فهرس الكتاب

الصفحة 2059 من 2536

ذلك بيان من الله عن المستكبر الخاسر فرعون - هذا الطاغوت العاتي الذي طغى في البلاد وأكثر في الأرض الفساد وزعم لنفسه من الصفة المفتراة ما يزلزل القلوب لفظاعته وشدة إجرامه ونكره؛ إذ ادعى لنفسه الإلهية - وذلكم غاية الطغيان والعتوِّ والكفران، وأشنع ما يصخ الأسماع من شنيع الاجتراء والظلم.

يُبيّن الله حال هذا المتجبِّر العُتُلِّ الذي عتا عن أمر الله واستكبر عن دينه وكذَّب رسوله وآذى المؤمنين من بني إسرائيل أفظع إيذاء من غير ذنب ولا جريرة - وهو قوله سبحانه: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآَيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ} أرسل الله رسوله موسى عليه السلام بالآيات البينات من عنده إلى فرعون وهامان وقارون وجنودهم لهدايتهم وتبليغهم {وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ} وهو الحجة الظاهرة والمراد به هنا المعجزات الحسبة المنظورة التي لا ينكرها إلا مكابر جهول أو مستكبر غاشم.

فكذب بها فرعون وقومه الطغاة {فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ} سموا الحجة الصادقة والمعجزة الباهرة سحرا وكذبا، ورموا النبي وكليمه موسى بأنه ساحر كذاب.

قوله: {فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا} لما جاءهم موسى برسالة التوحيد ودين الحق من عند الله استكبروا وعتوا عتوا وقالوا في طغيان ولجوج: {اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ} أمر قومه وجنوده المجرمين وجنوده المجرمين بقتل أبناء بني إسرائيل واستبقاء بناتهم - وهذا قتل آخر غير القتل الأول الذي أمر فرعون بإنزاله ببني إسرائيل بعد أن أنذرته الكهنة بزوال ملكه على يد مولود من بني إسرائيل - وذكر عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قوله في ذلك: أعيدوا عليهم القتل كالذي كان أولا - يريد بذلك أن هذا القتل غير القتل الأول.

قوله: {وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلالٍ} أي أن كيد هؤلاء الطغاة المجرمين ومكرهم الظالم ببني إسرائيل؛ إذْ قتلوا أولادهم الذكور واستحيوا نساءهم، إنْ هو إلا عبث لا يغنيهم وهو باطل لم يُجْدهم نفعا ولم يدفع عنهم قدر الله بهلاكهم مغرقين في البحر - وبذلك قد ذهب كيد فرعون وانقضى فكان ضربا من المكر الخبيث الضائع الذي لا يغيِّر قدرا لله مسطورا في علمه القديم - ومضت سنة الله بتدمير الباطل وأهله واستعلاء الفئة المؤمنة المستضعفة من بني إسرائيل.

قوله: {وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ} كانوا إذا همّ فرعون بقتل موسى كفّوه ع ذلك وقالوا له: ليس هذا ممن تخافه فهو أضعف من ذلك، وما هو إلا ساحر لا يقاومه إلا مثله - وإنْ أنت قتلته أدخلت على الناس الشبهة واعتقدوا أنك عجزت عن معارضته بالحجة - والظاهر أن فرعون كان يعلم أن موسى نبي وأن ما جاء به لهو معجزات وما هو بسحر، فكان خائفا من قتله مع رغبته في ذلك لهول الجزع - وكان اللعين مُحبّا للقتل وسفك الدماء.

قوله: {وَلْيَدْعُ رَبَّهُ} يدل على خوف فرعون من موسى لكونه نبيّا، وهذا من تمويهاته؛ إذ يُظهر لقومه قلة احتفاله به فيوهمهم أنهم هم الذين يكفونه - والصواب أنه ما كان يكفّه إلا ما في نفسه من شديد الفزع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت