قوله: (إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا) (تشيع) ، الشيوع والشيعوعة؛ أي تذيع وتظهر - أشاع الخبر أي أذاعه 26 - و (الفاحشة) ، من الفحش وهو القول السيء - وكل شيء جاوز الحد فهو فاحش 27 - ونزلت هذه الآية في قذف السيدة عائشة إلا أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب - فوجب بذلك إجراؤها على ظاهرها في العموم؛ فهي بذلك تطول كل من كان موصوفا بهذه الصفة من القذف والإرجاف وإشاعة الظنون والريب بين الناس - وعلى هذا، فمعنى الآية: إن الذين يحبون أن تفشوا الفاحشة وهي الزنا أو مقالة السوء لتذيع وتنتشر بين المسلمين (لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة) وذلك تهديد للقذفة الذين يثيرون الأراجيف ومقالات السوء والفحش بين الناس، بأن لهم العذاب في الدنيا بالحد، وفي الآخرة يصيرون إلى عذاب النار.
قوله: (والله يعلم وأنتم لا تعلمون) الله يعلم كذب الأفاكين الذين يفترون الباطل على المؤمنين والمؤمنات، وأنتم أيها الناس لا تعلمون ما يخفى عليكم مما هو مستور في بطن الغيب - وإنما عليكم أن تردوا علم ذلك كله إلى الله؛ فهو علام الغيوب.
وفي النهي عن تتبع عورات المسلمين والنبش عن أخبارهم وأستارهم، أخرج الإمام أحمد عن ثوبان عن النبي (ص) قال:"لا تؤذوا عباد الله ولا تعيّروهم ولا تطلبوا عوراتهم؛ فإنه من طلب عورة أخيه المسلم طلب الله عورته حتى يفضحه في بيته"28.
قوله تعالى: {ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله رؤوف رحيم (20) يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا ولكن الله يزكي من يشاء والله سميع عليم (21) } .
لولا أن الله قد منّ عليكم بعفوه وغفرانه، وأسبغ عليكم من هاطل فضله ورحمته ما يتجاوز به عما وقعتم فيه من سوء القول وفحش الكلام، لعاجلكم بعقاب من عنده فهلكتم.
21 - (يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)
قوله: (يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان) يحذّر الله عباده المؤمنين سلوك سبيل الشيطان أو السير في مسالكه وطرائقه - وهي كثيرة ومعوجة، قد بُنيت كلها على الشر والباطل والفتنة - ومن مسالك الشيطان وطرائقه: إشاعة الفاحشة والبهتان بين المسلمين ليضطربوا في حياتهم ويكونوا متجلجلين مبتئسين متخاصمين.
قوله: (ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر) الفحشاء، والفاحشة، ما أفرط قبحه - والمنكر، ما أنكره الشرع؛ أي من تبع مسالك الشيطان ومشى في صراطه ودروبه وقع في الباطل والخسران وارتكب الفحشاء والمنكر؛ لان الشيطان لا يني ولا يفتر دون إغواء البشر وإضلالهم وسوْقهم إلى مهاوي الويل والثبور.
قوله: (ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا) لولا ما امتنّ الله به على عباده من الفضل والرحمة، ما تطهر منهم أحد من ذنوبه وعيوبه ومعاصيه الكثيرة، ولما نجا من سوء المصير - لكن الله برحمته ورأفته بالخلق ينجي فيهم من يشاء ممن يستحق الهداية والنجاة - وهذا معنى قوله: (ولكن الله يزكي من يشاء) .