فهرس الكتاب

الصفحة 214 من 2536

وذلكم هو شان المؤمنين السابقين الذين ابتلوا بأشد ما يواجه الإنسان من شدائد كالفقر والسقم والترويع من الأعداء الذين بل يرعون في المؤمنين في كل زمان ومكان كرامة أو اعتبارا، وإنما ينقضّون عليهم انقضاض الوحوش الكواسر في غابات يغيب فيها النظام والمنطق والضمير والرحمة.

وفي مثل هذه الزلزلة التي كانت تغشى عباد الله المؤمنين الصابرين عبر العصور السابقة، يحدثنا الخباب بن الأرت قال: قلنا: يا رسول الله ألا تستنصر لنا ألا تدعو الله لنا - فقال:"إن من كان قبلكم كان أحدهم يوضع المنشار على مفرق رأسه، فيخلص إلى قدميه لا يصرفه ذلك عن دينه، ويمشط بأمشاط الحديد ما بين لحمه وعظمه لا يصرفه ذلك عن دينه"ثم قال:"والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضر موت، لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم قوم تستعجلون"- وفي هذا المعنى من التعذيب للمؤمنين والترويع لهم يقول عز من قائل في آية أخرى: (ألم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين) .

وفي يوم الأحزاب"معركة الخندق"أخذت المسلمين نوبة من الزلزال الشديد؛ لما حاق بهم من شدة وضيق وخوف حتى زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر - وفي ذلك قال عز من قائل: (إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا هنالك ابتلى المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا) .

وقوله: (حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله) - (والرسول) اسم جنس، فهو لا يراد به خصوص رسول متعين، بل عموم الرسل الذين أصابهم والذين آمنوا معهم البلاء والشدّة - وقيل: المراد بالرسول هو محمد (ص) - والقول الأول الراجح؛ لعدم الدليل على تخصيصه - والمعنى أن الرسول والذين معه، ممن ابتلاهم الله بنكال الكافرين وعدوانهم كان الضيق يبلغ منهم أشد مبلغ بعد أن تنزل بساحتهم الويلات وعظائم الأمور ويزلزلوا، وإذ ذاك يجأرون إلى الله بالدعاء ليعجل لهم بالفرج وهم يقولون (متى نصر الله) (متى) اسم استفهام في محل رفع خبر مقدم - (نصر) مبتدأ مؤخر - والجملة الإسمية من المبتدأ وخبره في محل نصب مفعول به ليقول - وبعد هذا الامتحان العسير والكروب المريرة التي تمر بالفئة المؤمنة الصابرة، وبعد ما ألم بعباد الله العاملين المخلصين من ضروب الشدائد والأهوال وضروب الترويع والترعيب، بعد ذلك كله ينبجس الفرج ويأتي الخلاص والنصر من عند الله - وفي ذلك يهتف القرآن في تقرير رباني حاسم ونداء علوي مبشر مريح (ألا إن نصر الله قريب) .

قوله تعالى: (يسألونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم) (يسألونك) فعل مضارع مرفوع بثبوت النون وواو الجماعة فاعل - والكاف ضمير مخاطب في محل نصب مفعول به - ماذا ما اسم استفهام في محل رفع بالابتداء، ذا خبر، وقيل (ماذا) اسم مركب في محل نصب مفعول به مقدم للفعل (ينفقون) .

وقيل: إن الآية نزلت في عمرو بن الجموح إذ قال: يا رسول الله إن مالي كثير فبماذا أتصدق وعلى من أنفق؟

وقيل أيضا: إن الذين سألوا عن الإنفاق فريق من المؤمنين - سألوا النبي (ص) عن كيفية الإنفاق من حيث جهاته أو فيما تكون الصدقة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت