وقوله: {وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الخَبِيثِ} الواو للحال، وقيل للعطف على مقدر (217) - والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، والمراد أمته؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يعجبه كثرة الخبيث - وجواب لو محذوف، أي ولو أعجبك كثرة الخبيث فلا يستويان - والمراد تحذير المسلمين من الاغترار بكثرة الخبيث من فساد وحرام وكافرين وغير ذلك من وجوه الباطل - فإن البون بين الخبيث والطيب بعيد عند الله، وإن كان قريبًا عند الناس، فلا ينبغي أن يعجبوا بكثرة الخبيث على اختلاف صوره ووجوهه - فإن الخبيث قائم على الباطل والحرام أو على الزيغ عن صراط الله - وهو على كثرته لا يعدو شكله الخادع المنتفش الذي لا يساوي في ميزان الحق شيئًا إلا ما يساويه البعوض في مقابلة الوحوش الكواسر في الآكام - لا جرم أن الكافرين والمضلين والظالمين والأشقياء من أنصار الباطل ليسوا إلا الغثاء الجفاء الذي ما يلبث أن ينقشع أو يتبدد ليستقر بعده الحق وأنصاره والداعون إليه بالرغم من قلة عددهم وعدتهم، وقلة حيلتهم وإمكاناتهم المادية - والمؤمنون الصابرون المعتصمون بمنهج الله هم الثابتون في كل الأحوال والظروف ومهما ادلهمت النوائب والخطوب - فلا تنال من صلابتهم وقوة عزائمهم كل الملمات والفتن - لا جرم أن هؤلاء أنفع للناس - بل إنهم الحاملون لمشاعل النور والهداية والخير للبشرية خلافًا لأهل الباطل الذين تموج أعدادهم بالكثرة والذين يتيهون عُجبًا بقوة سلطانهم وعظيم طاقتهم المادية - لا ينبغي لمسلم ذي عقل وبصيرة أن يستخفه الوهم بهؤلاء الضالعين في الخطيئة والرجس - بل إن هؤلاء وقدراتهم وإمكاناتهم لا تجرجر للبشرية غير الإفساد والتخريب ولسوف تؤول بهم الحال إلى التدمير وسوء المصير - ولذلك قال: {فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} أي آثروا الطيب وإن قلّ على الخبيث وإن كثر - ووطنوا أنفسكم على المضي في طريق الله وعلى منهجه القويم - وباعدوا بين أنفسكم وبين الباطل وأهله وأنصاره على اختلاف مشاربهم ومسالكهم وطرائقهم - ولئن فعلتم ذلك فإنكم من المفلحين - أي الناجين الفائزين (218) .
قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ القُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (101) قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِّنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ} أشياء، أصلها شيئاء على وزن فعلاء - فاستثقلوا اجتماع همزتين بينهما ألف، فقدموا الهمزة الأولى فقالوا: أشياء بوزن لفعاء - وأشياء لا ينصرف؛ لأن الألف في آخرها للتأنيث - وهذا قول الخليل وسيبويه - أما قوله: {إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} فهو جملة مركبة من شرط وجزاء في محل جر صفة لأشياء (219) - روى البخاري عن ابن عباس في سبب نزول هذه الآية قال: كان قوم يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم استهزاء، فيقول الرجل: من أبي؟ ويقول الرجل تضل ناقته: أين ناقتي؟ فأنزل الله فيهم هذه الآية.