قوله: {وغرتهم الحيوة الدنيا} هذا خطاب من الله للمؤمنين - وهو أن هؤلاء الظالمين الناكبين عن صراط الله، المجانبين لمنهجه الرباني الكامل، كانوا قد غرتهم - أي خدعتهم الحياة الدنيا بكل ما في العبارة (الحياة الدنيا) من مضامين - والحياة الدنيا حافلة باللذات والغوايات والمباهج وغير ذلك من خسائس الحياة العاجلة التي تمر مرور الأطياف والآفلين سراعا - وهذه الدنيا بالرغم من هوانها و حقارتها وزرايتها في نظر المؤمن المتدبر الحريص، فإنها شركا للغافلين من شرار الناس الذين خدعتهم الحياة خداعا فسقطوا في أرجاسها وأدناسها ومعايبها التي استغلتهم وجنحت بهم عن دين الله جنوحا مغاليا فباؤوا بذلك بالخسران ليكونوا يوم القيامة من أصحاب الجحيم.
قوله: {وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كفرين} هذا إقرار من الكافرين الذين أغوتهم الشياطين - على أنفسهم بأنهم كانوا في الدنيا كافرين - يقولون مقالتهم هذه في صراحة منطوقة لا خفية ولا مخبوءة - وإنما هو الاعتراف العجيب في مثل هذا الموقف المرعب المشهود بما يكشف عن هول ما يطوق هؤلاء الخاسرين من الحسرة والندامة والإياس ثم ليصروا بعد ذلك إلى النار 167.
قوله تعالى: {ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غفلون (131) ولكل درجت مما عملوا وما ربك بغفل عما يعملون} .
اسم الإشارة {ذلك} يحتمل وجهين من الإعراب - أحدهما: أنه في محل رفع على أنه خبر، ومبتدأه تقديره: الأمر ذلك - وثانيهما: أنه مبتدأ وخبره محذوف مقدر - أو خبره قوله تعالى: {أن لم يكن ربك مهلك القرى} وأن، مخففة من الثقيلة - وتأويل الآية أن الله لم يعذب الناس إلا بعد الإعذار إليهم بإرسال الرسل إليهم - فلم يعاجلهم بالعقاب لشركهم وهم في غفلة حتى يبعث إليهم رسله لتنبيههم على حجج الله وتنذيرهم عذابه يوم معادهم إليه كيلا يحتجوا ويقولوا: {ما جاءنا من بشير ولا نذير} .
وقيل في تأويلها وجه آخر وهو: أن الله لا يهلك القرى بشرك من أشرك وكفر من كفر من أهلها وهم غافلون - وهو كقوله: {ولا تزر وازرة أخرى} .
قوله: {ولكل درجت مما عملوا} أي لكل عامل في طاعة الله أو في معصيته منازل ومراتب من عمله يجزيه الله عليها، إن خيرا فخير وإن شرا فشر والمنازل والمراتب تتناول الدركات وهي للمسيئين العصاة - وبذلك أعد الله لكل العاملين بطاعة الله درجات في الثواب والتكريم - وفي مقابل ذلك العاملون بمعصية الله أعد لهم دركات في العقاب وسوء الجزاء - قوله: {وما ربك بغفل عما يعملون} ليس الله لاهيا ولا ساهيا عما يفعله الخلق - فالله عليم بما يفعلونه من طاعة أو معصية ولا يغيب عن علمه منها شيء - بل الله خبير بذلك كله وهو سبحانه يحصي على العباد كل ما يصدر عنهم من سوء أو إحسان ليجازيهم عليه عند المعاد.
قوله: تعالى {وربك الغني ذو الرحمة إن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشاء كما أنشأكم من ذرية قوم ءاخرين (133) إن ما توعدون لأت وما أنتم بمعجزين (134) قل يقوم اعملوا على مكانتكم إني عمل فسوف تعلمون من تكون له عقبة الدار إنه لا يفلح الظالمون} .