قوله تعالى: {واذكروا إذ أنتم مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس فآواكم وأيدكم بنصره ورزقكم من الطبيات لعلكم تشكرون} ذلك خطاب للمؤمنين المهاجرين - فالله يذكرهم؛ إذ كانوا قلة مستضعفين في مكة ف ابتداء الإسلام، وكانوا مقهورين أذلة، والدنيا من حولهم تموج بالظلم والكفر {تخافون أن يتخطفكم الناس} التخطف، معناه الانتزاع والأخذ بسرعة - وذلك تصوير كاشف أبلج لحال المسلمين في مكة، إذ كانوا في غاية القلة والذلة والخوف، والمشركون من حولهم يتربصون بهم تربصا، ويوشك أن يميلوا عليهم ميلة واحدة فيبددوهم أو يستأصلوهم - لكن الله سلم فصان المسلمين ورعاهم، ورد عنهم سطوة الكافرين الظالمين وكيدهم - وهو قوله: {فآواكم وأيدكم بنصره ورزقكم من الطيبات} فقد جعل الله لكم مأوى آمنا حريزا تثوبون إليه وتسكنون فيه هي المدينة {وأيدكم بنصره} أي قواكم بالنصر الذي كتبه لكم في بدر - وأحل كم الغمائم المستفادة من الكافرين الظالمين الذين لا يستحقون المال - بل يجب تجريدهم من المال إلا ما يسد خلتهم (حاجتهم) - وما فوق حاجتهم من أموال طائلة كاثرة إنما يستعملونه في الإفساد والكيد والخيانة والدسائس وإشاعة الشرور والرذائل والفوضى في الأرض.
إن هؤلاء الضالين الذين يعيثون في الدنيا الخراب والفساد والفتن أحرى أن لا يملكوا المال فيتمكنوا به من الإيذاء والتخريب وافتعال المكائد والمؤامرات بين الشعوب والأمم - إن من دواعي المنطق أن تصان هذه الأموال بأيدي المؤمنين السائرين على منهج الله الحق، ومنهج الإسلام؛ فهم المؤتمنون على البشرية في صونها ورعايتها وتكريمها وإشاعة الرحمة والحق فيها - لا جرم أن الإسلام والمسلمين أحرص من في الدنيا طرا على الرحمة بالخليقة، وعلى دفع الأذى والشر عنها لتعيش آمنة سالمة مطمئنة.
فلا ينبغي في ضوء هذا التصور السليم أن تضل الأموال بأيدي الأشرار من البشر، أولئك الضالعون في الظلم والرجس والتخريب - بل ينبغي أن تنتزع منهم هذه الأموال انتزاعا لتصان في أيدي المؤمنين الحقيقين المؤتمنين على البشرية في أموالها وكراماتها وأوطانها وأديانها.
قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أمانتكم وأنتم تعلمون} نزلت هذه الآية في أبي لبابة بن عبد المنذر الأنصاري حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بني قريظة لينزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستشاروه في ذلك فأشار عليهم بذلك وأشار بيده إلى حلقه أي أنه الذبح - ثم فطن أبو لبابة ورأى أنه قد خان الله ورسوله فحلف لا يذوق ذواقا حتى يموت أو يتوب الله عليه - وانطلق إلى مسجد المدينة فربط نفسه في سارية منه فمكث كذلك تسعة أيام حتى كاد يخر مغشيا عليه من الجهد، حتى أنزل الله توبته على رسوله فجاء الناس يبشرونه بتوبة الله عليه وأردوا أن يحلوه من السارية فحلف لا يحله منها إلا رسوله الله صلى الله عليه وسلم بيده: فخله - فقال يا رسول الله: إني كنت نذرت أن أنخلع من مالي صدقة - فقال: (يجزيك الثلث أن تصدق به) 33.