قوله: {وإذا ما أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض هل يراكم من أحد} لا يطيق المنافقون سماع القرآن وذلك لفرط كراهيتهم لدين الله وما جاءهم به من الحق هؤلاء المنافقون كانت تفيض قلوبهم بالحقد والاضطغان والنفور من رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن دينه - وأشد ما كانت تتنغص منه نفوسهم المريضة أن يسمعوا كلام الله - فإذا ما أنزلت سورة من القرآن أخذوا يتغامزون بعيونهم ويشاورون فيما بينهم ليتدبر الخروج والانسلال لواذا من موضعهم الذي هم فيه ليتفرقوا شاردين نافرين - وهذه طبائع كزة عجاف 228 لا تصيخ للحق او اليقين، ولا تشدها المعجزات المجلجلة البواهر، ولا تثنيها الحجج والبراهين السواطع عن اقتراف الفضائح وخسائس الأعمال، ولا يصدها عن الكيد والخدع منطق او ضمير - أولئك فريق من البشر الخبيث يتقمصون في ظواهرهم وقسمات وجوههم الهشات ثياب الطهر والعفة، وهم في الحقيقة أنجاس يكنون في أعماقهم وخفاياهم كل معاني اللؤم والجحود والخسة، وألئك هم المنافقون!
قوله: {هل يراكم من أحد} {هل يراكم} ، في محل نصب بقول مضمر؛ أي يقولون: هل يراكم - وجملة القول في محل نصب على الحال - و {من أحد} ، فاعل 229 - إذا تغامز المنافقون بأعينهم استنكارا وسخرية من كلام الله فهموا بالخروج كيلا يستمعوا القرآن فيغتاظوا وتشمئز قلوبهم تساءلوا فيما بينهم: هل من أحد يراكم؟ وذلك ليتمكنوا من الانصراف.
قوله: {ثم انصرفوا} بعد أن وقف المنافقون على عدم رؤية أحد إياهم انصرفوا متلصصين خزايا يسترقون الخطوات استراق الخائنين، لقد انصرفوا من مجلسهم الذي كانوا فيه لدى نزول القرآن بسبب تغيظهم من سماعه؛ فهم لا يتحملون سماعه لشدة ما تكنه نفوسهم من كراهية وخشية من افتضاحهم وانكشاف وهم يتغامزون ويضحكون.
قوله: {صرف الله قلوبهم} وهذا دعاء على المنافقين بصرف قلوبهم عما في قلوب المؤمنين - وذلك وعيد لهم بلحوق العذاب بهم - وقيل: الصيغة للخبر بحسب الظاهر؛ فقد بين الله صرف قلوبهم عن الإيمان جزاء لهم على نفاقهم وسوء مقاصدهم.
قوله: بأنهم قوم لا يفقهون الباء للسببية؛ أي بسبب حماقتهم وسوء فهمهم وغفلتهم وعدم تدبرهم لكلام الله؛ صرفهم الله، أو أنهم انصرفوا عن مجلسهم، لأنهم حمقى لا يتدبرون القرآن 230.
قوله تعالى: {لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم 128 فإن تولوا فقل حسبي الله لا إله إلا هو توكلت وهو رب العرش العظيم} .
يخاطب الله في الآية العرب ممتنا عليهم بإرساله إليهم رسوله العظيم محمدا صلى الله عليه وسلم؛ فهو من أنفسهم؛ أي من جنسهم ومن نسبهم - وهو عربي مثلهم بل هو من خيرهم نسبا وأشرفهم محتدا 231 - وفي ذلك أخرج البخاري عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (بعثت من خير قرون بني آدم قرنا فقرنا، حتى كنت من القرن الذي كنت فيه) - وأخرج مسلم عن واثلة بن الأسقع قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (عن الله تعالى اصطفى من واد إبراهيم إسماعيل، واصطفى من لود إسماعيل بني كنانة، واصطفى من بني كنانة قريشا، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم) .