قوله: {إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا} أي ما تعبدون من آلهة مزعومة فإنها قاصرة عن كل شيء، وهي لا تنفع ولا تضر - ولئن أرادكم الله بضُر فإن آلهتكم هذه لا تغنيكم من عذاب الله شيئا، إذ لا تملك أن تؤدي لكم نفعا أو تدرأ عنكم شيئا منن العذاب إن حلَّ بكم {وَلا يُنْقِذُونِ} أي لا تستطيع أصنامكم وآلهتكم الموهومة أن تستنقذكم مما يحيق بكم من البلاء.
قوله: {إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ} إذا لم أعبد الله وحده واتخذت من
دونه آلهة فإني إذا في حيرة واضحة وعمه
ظاهر لا يخفى على كل ذي عقل سليم.
قوله: {إِنِّي آَمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ} صَدَعَ الرجل المؤمن بالحق ولم يخش فيه لومة لائم؛ إذ جهر بالإيمان وكلمة التوحيد والإخلاص ظاهرة مكشوفة، معلنا أنه قد آمن بالله وحده لا شريك له {فَاسْمَعُونِ} أي فاسمعوا قولي؛ فإني لا أبالي يما يحيق بي منكم مما تبتغونه لي من مكروه - وقيل: أراد بذلك إغضابهم لينشغلوا به عن الرسل كيلا يؤذوهم أو يمسوهم بسوء وذلك لما رآهم لم يؤثر فيهم الوعظ والتذكير، وقد عزموا على الإيقاع برسل الله 13
قوله تعالى: {قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (26) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ (27) *وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ (28) إِنْ كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ} .
لقد طغى الظالمون المجرمون من أهل أنطاكية فقتلوا ولي الله الذي نصح لهم ودعاهم إلى عقيدة التوحيد مبتغيا بذلك سعادتهم ونجاتهم وصلاح حالهم - قتلوه رحمه الله فكان جزاؤه عند الله عظيما؛ إذ أدخله الجنة وهو قوله تعالى له: {ادْخُلِ الْجَنَّةَ} فلما عاين نعيمها وما فيها من أوجه الخير والرخاء والهناء والسعادة قال {يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (26) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ} .
{بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ} {بِمَا غَفَرَ لِي} ما مصدرية؛ أي يعملون بغفران ربي 14 - فبعد أن رأى ما أعدّه الله له من جزيل النعم وحسن الثواب وعظيم الكرامة في الجنة، تمنى أن يعلمَ قومه بما أسبغ الله عليه من هذه النعم؛ ليحملهم ذلك على التوبة والطاعة ومجانبة الكفر والإشراك بالله.
وذلك يشير إلى مبلغ إخلاص هذا المؤمن وحسن سيرته وقصده؛ إذ تمنى لهم الهداية والنجاة بعد قتلهم له، والتحاقه بالرفيق الأعلى، مثل تمنيه لهم في الدنيا من الإيمان والطاعة والاستقامة - وذلك هو شأن المؤمنين الذين يدعون الناس إلى منهج الإسلام؛ فإنهم يبتغون للبشرية الهداية والتوفيق والسعادة في الدارين ويتمنون لهم كل وجوه الخير والسلامة والنجاة، لا يبتغون بذلك من أحد ثناءً ولا شكورا إلا الجزاء الكريم من الله.