فهرس الكتاب

الصفحة 586 من 2536

وثانيهما: العلو المعنوي وذلك منوط بعلو الشأن وارتفاع المنزلة - ثم إن الله جل جلاله لهو القوي فمن تمسك بدينه واحتمى بجنابه عز وانتصر، وأنه سبحانه منتقم جبار يسلط على المجرمين الذين يعتدون على الأنبياء ويقتلونهم بغير حق عذابا من السماء أو الأرض فيدمرهم ويدمدم عليهم إن شاء - وهو كذلك حكيم فيما يقدره وفيما يجريه أو يقرره من حوادث ووقائع، كل ذلك يتم بحكمة من لدنه قد نقف على شطر منها أو نجهل حقيقتها وأبعادها.

قوله: (وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا) إن أداة نفي بمعنى ما - وأهل الكتاب اليهود والنصارى - فكل واحد منهم سيؤمن به قبل موته.

وقد جاء في بيان المقصود من ذلك عدة أقوال نذكرها فيما يلي:

القول الأول: كل واحد من اليهود والنصارى سوف يؤمن بالمسيح بعد نزوله إلى الأرض، ثم يدركه الموت بعد ذلك كغيره من العباد - وبذلك فإن الضمير في موته يعود على المسيح وكذلك الضمير في (به) أي أن كل كتابي حال حياة المسيح بعد أن ينزل من السماء إلى الأرض سوف يؤمن به إيمانا صحيحا بعيدا عن الشرك وهو أنه نبي الله وعبده ورسوله.

القول الثاني: كل واحد من أهل الكتاب سوف يؤمن بالمسيح قبل أن يموت (الكتابي) فالضمير في موته يعود على الكتابي، فكل يهودي ونصراني عند معاينته الموت سيؤمن بالمسيح إيمانا صحيحا - أما الضمير في (به) فإنه يعود على المسيح.

القول الثالث: وهو عود الضمير في (به) على النبي محمد (ص) - وبذلك فكل كتابي من اليهود والنصارى إذا عاين الموت فإنه سينكشف له الحق فيعلم أن هذا النبي حق، لكن هذا التصديق لا ينفعه؛ لأنه حاصل بعد فوات الأوان الذي تستقيم فيه التوبة وتقبل - وينبغي القول كذلك أن الكتابي لا ينفعه إيمانه إن كان ذلك عند معاينة الموت سواء تعلق إيمانه بالمسيح أو محمد عليهما الصلاة والسلام - فإن التوبة عن الكفر تكون صحيحة إذا كانت قبل معاينة الموت - وفي ذلك يقول سبحانه في آية أخرى سابقة: (وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفار أولئك اعتدنا لهم عذابا أليما) .

ولدى النظر في هذه الأقوال يتبين أن القول الأول هو الصحيح - وذلك بالنظر للسياق الذي جاءت عليه الآيات في مطلعها وفي آخرها والمتعلقة بخبر المسيح عليه السلام، فمطلع الآيات يتناول الحديث عن فرية القتل والصلب، وأن ذلك ما كان إلا تشبيها أوقع المختلفين في الشك والاضطراب، وأن المسيح قد تم رفعه إلى السماء فانتفى ما نسبه إليه المرتابون والخراصون - وذلك كله متعلق بالمسيح نفسه - وأما آخرها فإنه يحقق أن المقصود هو المسيح - يستبين ذلك من قوله تعالى: (ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا) فالذي يشهد على أعمالهم وأقوالهم من التصديق له أو التكذيب هو المسيح، وذلك الذي يدل عليه السياق، وهو الذي يدور حوله الحديث خلال هذه الآيات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت