قوله: {فأعرضوا} عن شكر الله؛ إذ جحدوا نعمته وكذبوا رسله وهذا أشد الكفران {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ} أي السيل العرم - وذلك من باب إضافة الموصوف لصفته في الأصل؛ إذ الأصل العرم - و {العرم} معناه الشديد، من العرامة وهي الشراسة والصعوبة - وعرم فلان فهو عارم وعرم - وقيل: العرم اسم للوادي الذي كان فيه الماء نفسه - وقيل: أرسلنا عليهم سيل المطر العرم أي الشديد 20 فكثر الماء وملأ ما بين الجبلين وحمل الجنات وكثيرا من الناس ممن لم يمكنه الفرار - وهؤلاء هم الذين ضربت بهم العرب في المثل للفرقة فقالوا: تفرقوا أيدي سبأ.
قوله: {وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ} أي أذهبنا جنيتهم لمذكورتين بالسيل الشديد الجارف وآتيناهم بدلهما جنتين ذواتي {أُكُلٍ خَمْطٍ} الأكل: الثمر - والخمط: الحامض أو المرّ من كل شيء - وكل نبت أخذ طعاما من مرارة - والحمل القليل من كل شجر - وشجر كالسِّدر - وشجر قاتل - أو كل شجر لا شوك له - وثمر الأبرار 21
قوله: {وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ} أثلٍ معطوف على أُكل - والأثل شجر يشبه الطرفاء أو هو الطرفاء - وأما السدر فهو شجر النبق.
قوله: {ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا} {ذَلِكَ} في موضع نصب مفعول ثان مقدم - والإشارة عائدة إلى ما ذكر من التبديل وما أجراه الله عليهم من تخريب بلادهم بالسيل الشديد وإغراق أكثرهم وتمزيقهم في البلاد شذر مذر وإبدالهم بالأشجار ذات الفواكه الطيبة المستلذة، الخمط والأثل والسِّدر، وسبب ذلك هو كفرهم بالله وإنكار نعمته - وهو قوله: {جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا} أي جزيناهم التمزيق والتفريق والقحوط بسبب تكذيبهم وجحودهم نعمة الله.
قوله: {وَهَلْ نُجَازِي إِلاّ الْكَفُورَ} {الْكَفُورَ} ، مفعول به؛ أي هل نجازي مثل هذا الجزاء الشديد إلا المبالغ في الجحود والكفران - وما ينبغي أن يتوجه على ذلك إشكال بأن المؤمن قد يعاقب في العاجل - فإن ما يعاقب به المؤمن ليس بعقاب على الحقيقة بل هو تمحيص 22
قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آَمِنِينَ (18) فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} .
ذلك إخبار من الله عما أوتيه أهل سبأ من النعم في مساكنهم وإقامتهم ومتاجرهم وأسفارهم وما فعلوا بها من القرآن، وما حاق بهم بسبب ذلك من القلة والقحوط وذهاب النعمة والحرمان، وهو قوله: {وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا} أي جعلنا بين سبأ وبين القرى التي بورك فيها بالتوسعة على أهلها في النعم والمياه والخصب والرزق، وهي قرى الشام، وقيل: المراد بها قرى صنعاء - وبالأول قال أكثر المفسرين.