فهرس الكتاب

الصفحة 275 من 2536

قوله: (لا يسألون الناس إلحافا) (إلحافا) مصدر في موضع الحال منصوب - - - والإلحاف بمعنى الإلحاح في الطلب 341 وتلك هي أخلاق المؤمنين الصابرين الذين يكونون في فاقة وعوز، لكنهم يتعففون عن تكفف الناس فلا يسألونهم إلحافا، مع أنهم محتاجون للعون والعطاء - وهذا الصنف من الناس قد استوصى الله بهم خيرا من أجل أن يعطيهم الأغنياء أو الدولة من مال الله الذي آتاهم - وهؤلاء يوصي بهم الرسول (ص) فيما رواه مسلم والنسائي عن أبي هريرة - رضي الله عنه-:"ليس المسكين الذي تردّه التمرة والتمرتان واللقمة واللقمتان، إنما المسكين المتعفف اقرأوا إن شئتم (لا يسألون الناس إلحافا) - وهذه الجملة في محل نصب حال، وكذلك (يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف) جملة فعلية في محل نصب حال من الفقراء - وكذلك (تعرفهم بسيامهم) 342 وفي حقيقة المسكين روى البخاري عن أبي هريرة أن رسول الله (ص) قال:"ليس المسكين بالطواف عليكم فتطعمونه لقمة لقمة، إنما المسكين المتعفف الذي لا يسأل الناس إلحافا"."

وفي معنى قوله تعالى: (لا يسألون الناس إلحافا) ثمة قولان للعلماء أولهما: أنهم لا يسألون البتة ولا يتكففون أحدا وأنهم دائما متعففون، فهم بذلك لا يسألون الناس، سواء كان ذلك إلحافا أو غير إلحاف، فالتعفف شأن وديدان - وذلك الذي ذهب إليه جمهور المفسرين وهو الراجح.

ثانيهما: أن المراد نفي الإلحاف فقط، أما إن سألوا الناس غير ملحفين فلا بأس - وهو قول مرجوح.

ولا يفوتنا أن نبين النهي عن المسألة مع الغنى وأن ذلك حرام، ولا يسأل أحد غيره وهو غني إلا كان آثما إثما يودي به إلى عذاب الله - يقول الرسول (ص) فيما أخرجه مسلم عن أبي هريرة:"من سأل الناس أموالهم تكثّروا فإنما يسأل جمرا فليستقلّ أو ليستكثر".

وروى مسلم أيضا عن ابن عمران أن النبي (ص) قال:"لا تزال المسألة بأحدكم حتى يلقى الله وليس في وجهه مُزعة لحم"المزعة بضم الميم معناها القطعة - وقوله (وما تنفقوا من خير فإن الله به عليم) ذلك ترغيب من الله للمؤمنين، كيما ينفقوا في سخاء ليغيثوا المحاويج والمكروبين وليدفعوا عن الفقراء والعالة خلتهم، فإنه ليس من نفقة يؤديها هؤلاء إلا والله يعلمها، وهو سبحانه سيجازيهم عنها خير الجزاء.

قوله تعالى: (الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون) ذلك ثناء من الله على عباده المخلصين الذين يبادرون بالإنفاق في سبيله - يستوي في ذلك أن يكون الإنفاق ليلا أم نهارا، خفية أم جهارا - عن هؤلاء المنفقين مثوبون وأجرهم عند الله محسوب - وينبغي القول كذلك أن الإنفاق يشمل بعمومه ما كان على الأهل، فإن النفقة على الأهل تقتضي الأجر والثناء للمؤمنين المنفقين - فقد ثبت في الصحيحين أن رسول الله (ص) قال لسعد بن أبي وقاص حين عاده مريضا عام الفتح"وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا ازدادت بها درجة حتى ما تجعل في فيّ امرأتك".

وأخرج الإمام أحمد بإسناده عن أبي مسعود عن النبي (ص) قال:"إن المسلم إذا أنفق على أهله نفقة يحتسبها كانت له صدقة".

قوله: (ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون) أي لا يخافون إذا خاف الناس يوم القيامة فإنهم صائرون إلى كنف الله وظله، فهم آمنون مطمئنون لا يصيبهم الفزع الأكبر مثلما يصيب غيرهم من العصاة والفاسقين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت