قوله: {وإن يأتيهم عرض مثله يأخذه} العرض، بسكون الراء، معناه المتاع، وكل شيء سوى الدراهم والدنانير - يقال: أخذت في هذه السلعة عرضا: أعطيت في مقابلها سلعة أخرى - والعرض بفتحتين: متاع الدنيا قل أو كثر 232، وتأويل الآية: أن هؤلاء القوم إذا أمكنهم أن يأخذوا من عرض الدنيا مما فيها من السحت وخبيث المكاسب أخذوه من غير تروع ولا تردد ولا رهبة من الله - فهم لاغترارهم وسفاهتهم يظنون أنهم مغفور لهم مما علموا - ويقول بعض المفسرين إن حال اليهود هذه من حيث تلبسهم بالشهوات وفرط إقبالهم على المال ومتاع الحياة الدنيا تنسحب على بعض المسلمين الذين يتقاحمون بإلحاح غليظ ومسف من أجل اكتساب المال بكل الطرق والأسباب - وأجد أن في هذا التشبيه نظرا - لأن الطامعين الجشعين من المسلمين الذين يغالون في حب المال، ويبالغون في كسبه وتحصيه بكل الأساليب يعلمون أنهم آثمون ولا يحملون في أذهانهم مسبقا أنهم مغفور لهم مهما فعلوا، كبني إسرائيل والفرق بين الصنفين عظيم.
قوله: {ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق ودرسوا ما فيه} يقول الله موبخا هؤلاء الناهمين البطرين الذي يزعمون أنهم مغفور لهم مهما عملوا من السيئات واكتساب الحرام -يقول لهم: ألم يأخذ الله عليهم العهود بأن يقيموا التوراة وأن يعملوا بما فيها، وأن لا يقولوا على الله إلا الحق ولا يغيروا ما أنزل على نبيهم موسى في التوراة أو يحرفوا فيها أيما تحريف؛ فقد ورثوا الكتاب {ودرسوا ما فيه} أي أقروا التوراة وعرفوا ما فيها من الأحكام والتعاليم لكنهم ضيعوا كتاب الله وتركوا العمل بمقتضاه وخالفوا ما أخذ الله عليهم من العهود بالتصديق والاستقامة والتزام ما شرعه الله التزاما صحيحا لا محرفا ولا منقوصا.
قوله: {والدار الآخرة خير للذين يتقوت أفلا تعقلون} ذلك تذكير صادع بما هو خير وأبقى - وتلكم هي الدار الآخرة؛ لا جرم أن النجاة فيها رأس كل كسب وفلاح - وهي خير مما يجمعه الناس في حياتهم من وجوه الكسب والثراء، ورفيع المكانة والدرجات - إن ذلك كله حطام داثر؛ لأنه إلى الفناء والخراب صائر؛ فهو ليس إلا السراب واليباب الذي يؤول لا محالة إلى الزوال المحقق والغياب الذي لا يرجى من بعده مرد ولا إياب {أفلا تعقلون} الاستفهام للتوبيخ ومفاده: أفلا يعلم هؤلاء الذين يأخذون عرض الدنيا الفنية بغير حق ولا عدل ويزعمون أنهم مغفور لهم -أن ما عند الله في الدار الآخرة خير لهم مما جمعوه من السحت والحرام؟!
قوله: {والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة إنا لا نضيع أجر المصلحين} يمسكون بالتشديد؛ لأنه يفيد الكثرة - مسكت بالشيء وتمسكت به واستمسكت به؛ أي اعتصمت؛ أي أن الذين يستمسكون بالتوراة فيعملون بها ولا يخالفون أحكامها لهم أجرهم عند ربهم فلا يضيع أو ينسى 233.