أحدهما: الرفع على الاستئناف - فيكون في الآية تقديم وتأخير - والتقدير: إن الذين آمنوا والذين هادوا من آمن بالله واليوم الآخر فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون، والصابئون والنصارى كذلك.
ثانيهما: أن يكون قوله: {من ءامن بالله واليوم الآخر} خبر للصابئين والنصارى - وأن يقدر للذين آمنوا والذين هادوا خبر مثل الذي قدر للصابئين والنصارى 155 وإما النصارى، جمع نصران وهم حملة الإنجيل - أما تأويل الآية فإنه لا يحصل لأحد فضيلة أو منقبة إلا إذا تحقق فيه الإيمان بالله واليوم الآخر وعمل صالحا سواء كان من المسلمين أو اليهود أو الصابئين أو النصارى، إذ لا ينبغي التعويل على المسميات فإنها وحدها لا تغني بافتقاد العنصرين الأساسيين هما الإيمان الصحيح والعمل الصالح المشروع - وعلى هذا من أحدث من هؤلاء الطوائف إيمانا حقيقيا خالصا بالبعث بعد الممات على الوجه الصحيح - وليس كما يزعمه أهل الكتاب من إيمان محرف باطل - وعمل عملا صالحا يقتضيه هذا الإيمان {فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون} أي لاخوف عليهم يقدمون عليه من أهوال القيامة حيث القوارع والقواصم التي تضطرب من فظاعتها القلوب ويشيب من ويلاتها ودواهيها الولدان.
وقوله: {ولا هم يحزنون} أي لا يأسون على ما خلفوه في الدنيا وما تركوه وراء ظهورهم، ولا يمسهم الحزن لفراقهم الأحباب والخلان والأوطان، بل يغمرهم الرحمن بسكينة منه ورضوان حتى إذا عاينوا ما أعده الله لهم من نعيم وتكريم نسوا الدنيا وما فيها من متاع وبهجة وروابط 156.
قوله تعالى: {لقد أخذنا ميثاق بني إسرءيل وأرسلنا إليهم رسلا كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم فريقا كذبوا وفريقا يقتلون (70) وحسبوا ألا تكون فتنة فعموا وصموا ثم تاب الله عليهم ثم عموا وصموا كثير منهم والله بصير بما يعملون} الميثاق معناه العهد - فقد أخذ على بني إسرائيل أنبياؤهم العهد أن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم وأن يعملوا بالأحكام والشرائع المكتوبة في التوراة دون إنقاص أو زيادة أو تحريف - وأرسل إليهم رسلا كثيرين منهم مبالغة في تذكرهم وتنبيههم وتحذيرهم من مخالفاتهم ونكولهم عن شرائع الله فضلا عن تلاعبهم فيها بالتغيير والتبديل والتحريف - لكنهم مع ذلك كله ظلوا سادرين في غيهم وطغيانهم، ضالعين في التمرد على أحكام الله، موغلين في إتيان المنكرات وكبائر المعاصي - فكان من أعتى العتو في ذلك قتلهم الأنبياء ظلما وعدوانا - لا جرم أن هذه جريمة بالغة نكراء يذهل من فداحتها العقل والجنان، وتتزلزل من هولها الأرض والسماء! وإلى ذلك يشير الباري في قوله {وأرسلنا إليهم رسلا كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم فريقا كذبوا وفرقا يقتلون} أي كلما أتاهم رسول مبعوث من عند الله هاديا لهم ومذكرا ومحذرا وداعيا لهم أن يأخذوا بأحكام الله وأن لا يخالفوها، فرأوا أنه مخالف لهواهم، مضاد لشهواتهم كذبوه أو قتلوه تبعا لهواهم ولما يروق لأمزجتهم وطبائعهم الغريبة - فمن الذين كذبوهم ولم يقتلوهم عيسى ابن مريم وغيره - وممن قتلوهم زكريا ويحيى وغيرهما من النبيين - وليس من سبب للتكذيب أو القتل إلا أن ما دعاهم إليه لا يوافق هواهم - فالمعيار والمسبار لدى بني إسرائيل في عامة القضايا، ما فتئ حتى الساعة هو الهوى - فما وافق هواهم رضوا به وأخذوه، وما خالف هواهم رفضوه وجانبوه في غلظة وأعلنوا عليه النكير والنفير.