قوله: {وخلقهم} أي خلق المشركين الذين جعلوا الجن شركاء لله - وقيل: خلق الجن الشركاء أنفسهم - ومعنى إشراكهم بالجن أنهم أذعنوا لهم بالطاعة كإذعانهم لله - والمراد بهم هنا الشياطين الذين أطاعهم المشركون كما يطاع الله سبحانه أو عبدوا الأوثان لما حرضهم الشياطين على ذلك وسولوه لهم - وقيل: المراد بالجن هنا: الملائكة - إذ قالت العرب: إنهم بنات الله فعبدوهم - وقد سموا جنا على سبيل المجاز - وذلك لاجتنانهم واستتارهم عن الأعين كالجن.
قوله: {وخرقوا له بنين وبنات بغير علم} خرقوا أي كذبوا - وهو من التخريق ومعناه كثرة الكذب - والتخرق: خلق الكذب أو التخلق من الكذب - اخترق الكذب أي اختلقه 123.
وتأويل الآية أن المشركين السفهاء كذبوا على الله بجعلهم له بنين وبنات وبيان ذلك أن العرب جعلوا له بنات، إذ قالوا: الملائكة بنات الله وقالت اليهود: عزيز ابن الله - وقالت النصارى المسيح ابن الله - وكل ذلك تخريق وتخريص وافتراء فاضح ونكر مشين - والله تعالى منزه عما وصفه به هؤلاء الخراصون من خلقه له شركاء من الجن وتخريقهم له البنين والبنات - تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا - وإن ما وصفوه إن هو إلا من شأن البشر حيث التناكح والشهوات والنسب والصهرية - والله جل في علاه منزه عن مثل هاتيك الصفات المختصة بالبشر حيث الضعف والإحساس باللذة والهجوم على المنافع الدنيوية والركون للشهوات.
قوله: {بديع السماوت والأرض} بديع، خبر لمبتدأ محذوف تقديره هو - أي أن الله محدث السموات والأرض وموجدها ومبدعها على غير مثال سبق وعلى نمط عجيب يفوق تصور البشر، وعلى شاكلة موزونة مقدورة ولا عوج فيها ولا خلل ولا اضطراب.
ومن كان هذا شأنه فكيف يكون له ولد وهو ليس له صاحبة (زوجة) وإنما يكون الولد من الذكر والأنثى وهو شبيه بهما - والله تعالى لا يشبهه شيء بل إنه خالق كل شيء {ليس كمثله شيء} فقال سبحانه: {أنى يكون له ولد ولم تكون له صاحبة} .
قوله: {وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم} الله جل وعلا خالق كل شيء - وهو عالم بما يجري في الحياة والكون - فما من خبر ولا حدث ولا دبيب يسري في ظلمات الأرض وأطواء السماء إلا هو يعلمه.
قوله: {ذلكم الله ربكم} الإشارة تعود إلى ما تقدم ذكره من وصف الله بأنه {بديع السماوات والأرض} وغير ذلك من صفاته - فهو الله مالككم، المتصرف في أقداركم ومصائركم وأحوالكم.
قوله: {لا إله إلا هو خالق كل شيء} ذلك حصر الألوهية في ذاته الكريمة وجلاله العظيم - وإخبار منه سبحانه أنه الخالق الذي أوجد الأشياء كلها من أصناف الخلق وذلك بكمال قدرته وعظيم سلطانه.
قوله: {فاعبدوه} الله تعالى حقيق بعبادة الخلق له - فهو خالقهم ورازقهم والمنعم عليهم بنعمه الجليلة التي لا تحصى - إنه جل وعلا خليق أن يدين له الناس بالطاعة والخضوع والامتثال.
قوله: {وهو على كل شيء وكيل} أي حافظ - والوكيل على الشيء هو الحافظ الذي يحوطه ويدفع عنه الضرر.