فهرس الكتاب

الصفحة 674 من 2536

وإذا ما طرأت لليهود دولة في أرض المسلمين - كفلسطين - فلا جرم أن هذه ظاهرة مخالفة لطبيعة الأشياء ومناهضة لمنطق الحقيقة والتاريخ - وما كان لمثل هذه الظاهرة المذهلة أن تتجسد على سطح الواقع لولا انفتال المسلمين عن دينهم بعد أن خبت في قلوبهم جذوة العقيدة الدافعة الوهاجة وبعد أن تبددت وحدتهم وكلمتهم فتمزقوا في الأرض شعوبا واهية مستضعفة، فضلا عن كثافة التمالؤ بين أعداء الإسلام من استعماريين وصليبيين وصهيونيين وشيوعيين وغيرهم عبر مؤامرة دولية هائلة كبرى خطط لها في الظلام لكسر المسلمين وتدمير سلطانهم ومجدهم وقتلهم بددا.

قوله: {ويسعون في الأرض فسادا} فسادا، منصوب لأجله - أو حال من ضمير {يسعون} - والمعنى أنهم يجتهدون في الكيد للإسلام بتشويه صورته بمختلف الأساليب كإشاعة الأكاذيب والشبهات عن حقيقة الإسلام وعن شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم بما يثير الكراهية والنفور في نفوس المسلمين وغيرهم من الناس - وهم في ذلك يتفقون مع الاستعماريين والصليبيين في التحريض على ملة الإسلام ليضعفوا المسلمين فيذروهم خاوين مزعزعين وقد طغى عليهم الوهن والخور والإحساس بالنقص وضرورة التبعية للحضارة المادية الكافرة 150.

قوله تعالى: {ولو أن أهل الكتاب ءامنوا واتقوا لكفرنا عنهم سيئاتهم ولأدخلناهم جنات النعيم (65) ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم منهم أمة مقتصدة وكثير منهم ساء ما يعملون} أهل الكتاب هم اليهود والنصارى - والكتاب اسم جنس يشمل التوراة والإنجيل أي لو أن هؤلاء - بالرغم مما فعلوه من كبائر الجنايات والخطايا - لو أنهم آمنوا الإيمان الصحيح بما يندرج في ذلك إيمانهم بمحمد صلى الله عليه وسلم {واتقوا} أي اجتنبوا ما حرم الله وما تعدد من معاصيهم الكثيرة كمخالفة كتبهم {لكفرنا عنهم سيئاتهم} أي لغفر الله لهم ما اقترفوه من سيئات وإن كانت في غاية الفظاعة والنكر.

قوله: {ولأدخلناهم جنات النعيم} أي لكانوا من الفائزين بخير ما يطرأ على قلب بشر من الخيرات الحسان والبركات العظام في جنات الخلد.

قوله: {ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل} أي أقاموا أحكامهما وحدودهما وآمنوا بما اشتملا عليه من تبشير بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم.

قوله: {وما أنزل إليهم من ربهم} أي القرآن - وقيل: سائر كتب الله، فهم مكلفون بالإيمان بجميعها.

قوله: {لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم} لما أصر اليهود على تكذيب الرسول محمد صلى الله عليه وسلم أصابهم القحط والجدب والشدة فعانوا بذلك قسوة الفقر والمضانكة - فالله يبين لهم أنهم لو استجابوا لداعي الحق وتحرروا من إسار الشذوذ واللؤم والعناد لوسع الله عليهم في الرزق، ولأفاض عليهم من بركات السماء والأرض فعاشوا في النعماء والبحبوحة - هذا مقتضى قوله: {لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم} وتأويل ذلك يحتمل عدة وجوه هي:

الأول: أن المراد من ذلك المبالغة في ذكر السعة والخصب - وليس المراد أن هناك فوقا وتحتا كالذي عليه ظاهر العبارة أي لأكلوا أكلا دائما ومنعما وغير منقطع لكثرته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت