أما العداوة والبغضاء بين النصارى أنفسهم فذلك مستقر ومستطير - عداوة وبغضاء تزعجهم إزعاجا وتقض قلوبهم وأعصابهم قضا - فهم ما تكاد تتفق أهواؤهم وقلوبهم ولا تتحدد كلمتهم وشعوبهم - وإنما هم باقون على حالهم من الانقسام والشقاق والتنافر حتى تعصف بين دولهم وشعوبهم حروب القتل والتدمير في كثير من الأحايين وبخاصة في مطلع العصر الراهن وهذا القرن بالذات والذي حصدت فيه الحرب عشرات الملايين من الناس - وفي مقدمة ذلك الحرب العالمية الثانية تلك الحرب اللاهبة الضروس بين ما يسمى دول المحور بقيادة النازيين، ودول الحلفاء بقيادة الأمريكيين والبريطانيين.
وربما يعيّرنا بعض المغرضين من الجهلة والمضلين فيقولون: لقد حصل مثل ذلك عند المسلمين - فيجاب عن ذلك بأنه قياس متهافت وموهوم - فلئن كان بين المسلمين مذاهب غريبة وشاذة فإنما هي صغيرة واهية ومحدودة - بل إنها بالغة الهوان والضعف فليس لها في واقع الإسلام والمسلمين تأثير يذكر سواء في العقيدة أو الفكر أو التصور أو حياة المجتمع - بل إن هاتيك المذاهب الغريبة والشاذة قد تلاشت وانقضت ومضى ذكرها وزمانها فما عادت تذكر إلا بين السطور في الكتب.
وذلك كالسبأية والغرابية والعلبائية والباطنية والمانية والجهمية والمشبهة والمجسمة والإسماعيلية والرافضة والزرادشتية وإخوان الصفا وغيرهم من المذاهب والفئات الشاذة التي ما كان لها أيما تأثير على المجتمع الإسلامي طيلة حياته - فهو المجتمع المتماسك المصون الذي بني على العقيدة السمحة الراسخة رسوخ الجبال الرواسي.
المجتمع الذي يستمد تصوره ومنهجه في الحياة من الكتاب والسنة - فالمسلمون في الحقيقة، جلهم على السنة الصحيحة السليمة فهم على الدوام ملتئمون متفقون متحدون، إلا من ندر ممن ليس له أثر.
قوله: {كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله} المراد بالذين أوقدوا الحرب اليهود - أي كلما خططوا وأعدوا وجمعوا لإشعال الحرب خذلهم الله وأثار فيهم الرعب والجبن وأفضى بهم إلى التقهقر - وإيقاد نار الحرب كناية عن إشعال الحرب نفسها - وقيل: إظهار الكيد للمؤمنين وإطفاؤها معناه دفع شرهم أو صرف أذاهم وكيدهم عن المؤمنين - والمقصود بالحرب من اليهود محاربتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم - وقيل: أعم من ذلك - فأيما حرب خططوا لها أو أرادوا إثارتها كتب الله فيها لأعدائهم الغلبة فكان اليهود فيها مقهورين داخرين.
وقيل: إن اليهود لما خالفوا التوراة وحرفوها وبدلوها تبديلا أرسل الله عليهم الطاغية بختنصر فدمرهم تدميرا، واستأصل شأفتهم استئصالا، وبدد هيكلهم تبديدا وجعله شذر مذر - ثم أفسدوا فأرسل عليهم الرومان فقضوا عليهم وأذهبوا شوكتهم وأذلوهم إذلالا - ثم أفسدوا فأرسل عليهم المجوس - ثم أفسدوا فبعث الله عليهم المسلمين، فأزالوا شوكتهم وجعلوهم أهل ذمة يؤدون الجزية لدولة الإسلام ليأمنوا على أنفسهم وذرياتهم وأموالهم - لا جرم أن اليهود استظلوا بظل الإسلام والمسلمين إبان سلطانهم ردحا عظيما من الزمن فكانوا آمنين سالمين مطمئنين لا يمسهم رهب ولا ظلم ولا عدوان خلافا لما لاقوه من ويلات الإبادة والاستئصال والإذلال خلال عيشهم ووجودهم بين شعوب الأرض من غير المسلمين.