قوله: {ولعنوا} أي أبعدوا عن رحمة الله وفضله - وهذا دعاء ثان معطوف على الأول {غلت أيدهم} وذلك بسبب مقالة السوء والباطل التي اندلقت من أفواهم وهو ما نسبوه من البخل إلى الله - تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، لذلك قال: {بما قالوا} أي بسبب ما قالوه من ائتفاك شنيع.
قوله: {بل يداه مبسوطتان} أي، ليس الشأن ما كذبوا بل إن الله جلت قدرته جواد كريم - وهو في غاية ما يكون من الجود والسخاء - ويشير إلى ذلك تثنية اليدين مبالغة في الرد ونفي البخل عن جلاله سبحانه بما يدل على أقصى غايات العطاء والسخاء.
أما اليد فقد قيل في تأويلها جملة أقوال منها: أنها النعمة، وأنها القوة، وأنها الملك، وأنها القدرة - وسائر هذه المعاني حاصلة في المراد باليد، خلافا للتأويل المرفوض الذي تكلفته المجسمة، إذ قالوا: يد الله عضو جسماني ككل أحد ذي يد - وهو تأويل باطل تكذبه أصول العقيدة وتدحضه نصوص الكتاب والسنة.
قوله: {ينفق كيف يشاء} الجملة في محل نصب على الحال من ضمير {ينفق} أي أن الله يرزق مثلما يريد، فإن شاء قتر وإن شاء وسع، كل ذلك وفق حكمته البالغة التي تقوم على أساسها الحياة والأحياء.
قوله: {وليزيدن كثيرا منهم ما أزل إليك من ربك طغيانا وكفرا} اللام للقسم {كثيرا} مفعول به أول - ما في محل رفع فاعل - طغيانا مفعول به ثان - كفرا، معطوف - والكثير المقصود في الآية هم علماء اليهود، فإنهم يزدادون بنزول القرآن إنكالا وكفرا - فما كان القرآن ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ويتوالى عليه نزوله حتى يزداد علماء يهود وأحبارهم ورؤساؤهم تغيظا وعتوا ومبالغة في الإعراض والنكوص والتمرد.
قوله: {وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة} ذلك عقاب لأهل الكتاب في هذه الدنيا، لما عتوا عن أمر ربهم ومكروا بأنبيائهم واعتدوا عليهم بالتكذيب والتنكيل والافتراء والقتل، خصوصا هذا النبي الخاتم صلى الله عليه وسلم وهو سراج العالمين وضياء الكون كله وإمام الثقلين في الدارين فقد كذبوه وآذوه وقابلوه بالكيد والصد والعدوان والقتال - وفي مقابل هذا الكفر والجحود والعدوان على الحق وأهله ابتلاهم الله بعذاب من عنده في هذه الدنيا قبل عذاب الآخرة جزاء لما فعلوه في حق الكتب الربانية المنزلة والأديان السماوية من تحريف وتشويه وافتراء.
على أن المقصود بالعداوة والبغضاء ما بين اليهود والنصارى من العدوان القديم.
وقيل: المقصود ما بين اليهود أنفسهم فهم فيما بينهم متباغضون متنافرون تطغى عليهم ظواهر الأنانية المقيتة والمشاحنات الممضة التي تمزق القلوب وتزرع الكراهية والمباغضة التي تفضي إلى الافتراق والشقاق، ولا يغرن أحدا ما يجده في يهود من شعب يتظاهر بالالتئام في دولة صهيونية أقامها تحالف الاستعماريين والصليبيين والماسونيين والشيوعيين في فلسطين - لا يغترن أحد بالظاهر من الالتئام والاتفاق المصطنع الذي يخفي وراءه المباغضات والعداوات فيما بين الأفراد والأحزاب والطوائف - مباغضات وعداوات
لا يخفيها إلا كثافة الإعلام الكاذب - والتخوف من العدو المحدق المنتظر وهم المسلمون.