فهرس الكتاب

الصفحة 2061 من 2536

قوله: {أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ} الاستفهام للإنكار والتعنيف الشديد وأن يقول، يعني كراهية أن يقول ربي الله؛ فقد أنكر عليهم الرجل المؤمن عزمهم على قتل موسى لقوله: {رَبِّيَ اللَّهُ} والمعنى: أتفعلون هذه الفعلة الفظيعة الشنعاء وهي قتل نفس مؤمنة محرمة دون على أو سبب إلا قول كلمة الحق ودعوتكم إلى توحيد الله وعبادته وحده - وقد استدرجهم هذا المؤمن إلى الاعتراف بنبوة موسى عليه السلام لتليين قلوبهم القاسية وكسر سَوْرَتهم الجامحة وترغيبا لهم في الإيمان بالله ورسوله.

قوله: {وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ} بيَّن لقومه جملة البراهين من المعجزات الظاهرة التي جاءهم بها موسى فشاهدوها وعاينوها - وهي تشهد بصدق رسالته وأنه مبعوث أمين قد جاءهم برسالة الحق واليقين من عند الله.

قوله: {وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ} احتج عليهم بأن هذا الذي جاءكم يدعوكم إلى دين الله، لا يخلو من كونه كاذبا أو صادقا، فإن كان كاذبا فإنما يعود ضرر كذبه عليه {وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ} يعني إن تعرضتم له بالسوء يصبكم بعض الذي يعدكم؛ فقد ذكر {بعضُ} مع تقديره أنه نبي صادق في كل ما يقوله، وهو يبتغي بذلك أن يسلك معهم سبيل المناصحة والبرهان بما يبين لهم أنه لا يتعصب لهذا الرجل فيكون ذلك أقرب إلى تسليمهم له وقبولهم به.

قوله: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ} لا يجعل الله الهداية والتوفيق للذي يشتط ويفتري الكذب، ومن كان كذلك لا يستقيم أمره بل إن الله خاذله ومهلكه - أو لو كان ذا إسراف وكذب فيما يقول لما عضده الله بالبينات الظاهرة والمعجزات العجاب - وكذلك قال لهم: {يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ} .

{يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ} حال من ضمير {لكم} وفي ذلك ينبههم الرجل المؤمن إلى أنهم في زمامهم أولو مُلك ومنعة وشوكة {ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ} يعني أولي بأس وقوة في أرض مصر، عالين فيها على بني إسرائيل - أي لكم ملك مصر وقد علوتم الناس وقهرتموهم فلا تفسدوا أمركم على أنفسكم ولا تتعرضوا لعذاب الله وشديد بأسه وانتقامه - وهو قوله: {فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا} يحذِّرُ قومه بأس الله وأليم عقابه وانتقامه فإنه إن نزل بهم فلا طاقة لهم بدفعه أو احتماله وليس لهم من أحد يغنيهم أو يمنعهم من البلاء إن حاق بهم - لكن فرعون ذو طبع غليظ كزٍّ، وقلب شديد القسوة بور، لا يصيخ لموعظة ولا يرق لعبرة أو نصح - بل ظل موغلا في الجحود والتكذيب والصدِّ عن دين الله بالقهر والتجبر فقال: {مَا أُرِيكُمْ إِلاَّ مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ} يعني ما أشير عليكم بما أراه وهو قتل موسى ولا أستصوب غير قتله - وما تقولونه أنتم خلاف ذلك فهو غير سديد {وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ} يعني ما أدلكم برأيي هذا إلا سبيل الصواب والسداد 16.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت