فهرس الكتاب

الصفحة 79 من 2536

قوله: {أولا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون} الله عليم بحال هؤلاء الكذبة المنافقين وهو سبحانه يوبخهم هنا توبيخا {أولا يعلمون أن الله - -.} ألا يعمل هؤلاء أن الله عليم بأستارهم وأخبارهم، ومطلع على ما تطويه صدورهم من أسرار وخبايا، وما تبديه جوارحهم من ظاهر القول أو الفعل - أما قوله: {ما يسرون} أي ما تمالأوا عليه من الكفر وما تلاقوا عليه من الجحود للإسلام، وذلك عند تلاقيهم فيما بينهم، وهم إذ ذاك يتكاشفون معا ليأتمروا بالنبي والمسلمين وهذا الدين فيتفقوا على محاربتهم والقضاء عليهم إن تمكنوا - {وما يعلنون} أي ما أظهروه لبعض المسلمين من تصديق مصطنع خادع للإسلام ونبيه - وذلك إعلان منهم قد ينطلي على المسلمين أو بعضهم لتوهيمهم أن هؤلاء مؤمنون مخلصون، والله يعلم أنهم كاذبون شرار تنثني صدورهم على الضغينة والحقد، ويتربصون بالإسلام وأهله دوائر الهلكة والسوء، والله تبارك وتعال هو الحافظ لهذا الدين بتمكينه في الأرض وفي نفوس العباد حتى إذا اعترته فترة من ضعف أو هزة جاءته أجند أخرى جديدة من عباد الله المؤمنين المخلصين الذين يظلون ينافحون عن هذا الدين ويجاهدون فيه حق جهاده مهما تعاظمت الخطوب واشتدت الأهوال إلى أن يكتب الله النصر في هذه الدنيا أو الشهادة في سبيله وهي من خير ما يرتجيه المؤمن الصابر المجاهد.

قوله تعالى: {ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني وإن هم إلا يظنون} يصف بذلك فريقا من اليهود بأنهم أميون - ومفردها أمي وهو الذي لا يكتب ولا يقرأ، سمي بذلك؛ لنسبته إلى الأمة الأمية وهي أمة العرب الذين كانوا في جاهليتهم الأولى لا يعرفون القراءة ولا الكتابة - وقد كان النبي نفسه ينتسب إلى هذه الأمة الأمية الذين كانت تلدهم أمهاتهم، فيظلون من غير دراية بعلوم ولا تمرس بكتابة أو قراءة - وكذلك اليهود فقد كان فيهم فريق من الأميين الذين يجهلون كتابهم التوراة، ولا يدرون ما فيه من الأخبار والمعاني، ثم يسعون في الأرض ليتقولوا الكذب ويفتروا على الله الأباطيل ويزعموا أنها من عند الله وما هي من عند الله.

وقوله: {إلا أماني} جمع أمنية - وهي ما يتمناه المرء لنفسه - وهؤلاء، لا علم لهم بالكتاب وهو التوراة؛ لأنهم أميون - والاستثناء هنا منقطع - فالمعنى أنهم لا يعلمون عن التوراة شيئا إلا ما تسوله لهم أمانيهم وأحلامهم السقيمة أن الله يعفو عنه ويرحمهم ولا يؤاخذهم بخطاياهم، وأن آباءهم الأنبياء يشفعون لهم فضلا عن أحبارهم الذين يمنونهم أن النار لا تمسهم إلا أياما معدودة - وقيل: الأماني بمعنى التخريص واختلاق الكذب والافتراء - وهو قول ابن عباس - قوله: {وإن هم إلا يظنون} إن أداة نفي بمعنى ما - أي أن هؤلاء الكاذبين المفترين الذين {لا يعلمون الكتاب إلا أماني} لا يتقولون ذلك إلا وهم في شك مما يقولون أي يعلمون أنهم كاذبون لا تقوم حياتهم وأوضاعهم وتصوراتهم إلا على الظن الفاسد الذي لا يغني شيئا والذي لا يلبث أن يتبدد أمام الصدق واليقين 65.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت