فهرس الكتاب

الصفحة 80 من 2536

قوله تعالى: {فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون} ويل مبتدأ مرفوع، جاء نكرة لوروده مورد الدعاء وما بعده خبر في محل رفع 66 - وقد جاء في معنى الويل أقوال كثيرة نستطيع أن نركن من بينها إلى المعنى الذي يتفق عليه أكثر المفسرين وهو الهلاك أو العذاب أو الدمار - وقيل: واد في جهنم لو أرسلت فيه الجبال لماعت من حره 67.

والويل واقع على الذين يفترون على الله الكذب، فيكتبون بأيديهم ما يفترونه ليقولوا للناس هذا من عند الله وما هو من عند الله ولكنه اختلاق من عند أنفسهم، فهو كلام فاسد مختلق لا ينطوي على غير الباطل والكذب وهو على شاكلة مختلقة من التحريف - أو التغيير والتبديل، وذلك أن يضيفوا للكتاب من عندهم أو يحذفوا تبعا لما تمليه أهواؤهم المريضة، فما راق لهم أبقوه وما لم يعجبهم حذفوه، كل ذلك يقارفونه من غير تورع أو خشية من الله إلا الرغبة في التضليل والإفساد والتخريب.

ونود في هذا الصدد أن نعرض بشيء قليل من التفصيل لأولئك الذين {يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله} فإن هذا النص الكريم واقع على فريق ظالم من بني إسرائيل، أولئك الذين مارسوا الكذب على الله في أشد الصور وأعتاها - لكن النص الكريم مع كشفه لهؤلاء الناس من بني إسرائيل إلا أنه من حيث المقصود الواسع يمتد ليشمل كل الأشقياء من كل ملة أو دين في زمان أو مكان ممن يفترون على الله الكذب والزور، ولا جرم أنهم كثيرون ومنتشرون في مناكب الأرض وعلى امتداد الأجيال والعصور.

ومن الحق أن نقول كذلك: إن فريق بني إسرائيل كانوا في طليعة الكاذبين والدجاجلة الذين كانوا يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله - وقصة بني إسرائيل في هذه المسألة الخطيرة بالذات طويلة، وهي تستأهل مزيدا من الشرح والبيان والتفصيل، لكننا لا نملك في مثل هذا الموقف إلا أن نبين سراعا ما أمكن، عن جريمة هؤلاء البشعة في تحريف الكتاب وتزييفه، أو في الاختلاق الفاجر الذي ينسبونه إلى الله - ومثل التوراة في ذلك واضح تماما، ذلك أن أحبار بني إسرائيل قد تصرفوا في كتابهم الأصيل التوراة فراحوا يغيرون فيه ويبدلون ثم يحرفون ويزيدون - ومن بين ذلك تكذيبهم نبوة الرسول محمد (صلى الله عليه وسلم) مع أنهم كانوا يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة وكانوا يقرأونه في وضوح ويسر وكانوا يحدثون الناس من قبل بعث هذا النبي الكريم عن زمان يقترب منهم رويدا رويدا يبعث الله فيه نبيا، فما أن انبعث هذا النبي الكريم وعلموا أنه ليس من جنسهم انقلبوا على أعقابهم جاحدين منكرين، فتربصوا به الدوائر، وأتمروا به ليقتلوه، وحرضوا عليه الناس والسفهاء من عرب ومشركين؛ لينالوا منه شرا وليتخذوه لهم عدوا، وأشاعوا من حوله الشبهات والترهات؛ ليظن الناس أنه شاعر، أو ساحر، وليحسبوا أنه من المتقولين المفترين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت