فهرس الكتاب

الصفحة 1563 من 2536

وقال ابن كثير: قد ذكر كثير من المفسرين ههنا قصة الغرانيق، وما كان من رجوع كثير من المهاجرين إلى أرض الحبشة ظنا منهم أن مشركي قريش قد أسلموا ولكنها من طرق كلها مرسلة ولم أرها مسندة من وجه صحيح - وقال البغوي في تفسيره عن هذه القصة: كيف وقع مثل هذا مع العصمة المضمونة من الله تعالى لرسول الله صلوات الله وسلامه عليه - ثم حكى أجوبة عن ذلك من ألطفها: أن الشيطان أوقع في مسامع المشركين ذلك فتوهموا أنه صدر عن رسول الله (ص) وليس كذلك في نفس الأمر، بل إنما كان من صنيع الشيطان لا عن رسول الرحمن (ص) 69.

ويضاف إلى ذلك كله: أن ذكر الغرانيق في هذا الموضع المزعوم من سورة النجم لا يستقيم ولا يتفق؛ فإذ ذكرها هنا يخالف مقتضى الآيات عن اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى - فهذه أسماء لأصنام جيء بها في السورة بقصد الذم والتنديد بسفاهة المشركين الذين يعبدون هذه الأصنام الصماء والتي قال الله عنها موبخا مبكتا (إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى) .

قوله: (إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته) أي إذا تلا وقرأ كتاب الله أوقع الشيطان في مسامع المشركين مثل قصة الغرانيق من دون أن يتكلم بذلك رسول الله (ص) ولا جرى على لسانه البتة - وبذلك فإن هذه الآية جيء بها على سبيل التسلية لرسول الله (ص) - أي لا يحزنك يا محمد، فقد أصاب من قبلك من النبيين والمرسلين مثل هذا من الشيطان ليفتن به الناس عن دينهم وليُشيع في نفوسهم الشك.

قوله: (فينسخ الله ما يلقي الشيطان) النسخ معناه الإزالة والإبطال 70.

أي أن الله يبطل ما يوقعه الشيطان في مسامع الناس (ثم يحكم الله آياته) أي يثبتها ويرسخها في قلوب العباد (والله عليم حكيم) الله يعلم ما يجري في العالمين وما يدور في بواطن العباد من إنس وجن وملك - وهو كذلك حكيم في تقديره وتدبيره وتصرفه في الكائنات.

قوله: (ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض) وذلك تعليل لما يُلقيه الشيطان - وهو أن ذلك الإلقاء من الشيطان فتنة يفتتن بها الذين في قلوبهم شك وزيغ ونفاق - وكذلك القاسية قلوبهم - وهم المشركون المعاندون - فإن قلوبهم صلدة كزّة لا تلين للصواب، وطبائعهم بور لا تستمرئ الهداية والحق - إنما تستمرئ الضلال والاعوجاج والباطل.

قوله: (وإن الظالمين لفي شقاق بعيد) أي أن المشركين المعاندين سادرون في الضلال والغي وهم بعيدون كل البعد عن صراط الله المستقيم ومنهجه الحكيم.

قوله: (وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا به) أي ليعلم أهل العلم من المؤمنين بالله ورسوله وكتابه أن ما أوحي إليك من ربك لهو الحق، لا ريب فيه، فيبادروا الإيمان به، والتصديق بما فيه دون إبطاء.

قوله: (فتخبت له قلوبهم) أي تخضع وتخضع له قلوبهم، وتلين لعجيب نظمه وعظيم معناه.

قوله: (وإن الله لهاد الذين آمنوا إلى صراط مستقيم) أي يثبت الله بفضله وتوفيقه المؤمنين فيرشدهم إلى ما فيه خيرهم وسعادتهم في الدنيا والآخرة، وما يفضي بهم إلى النجاة والفوز بالجنة والرضوان 71.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت