بيان إجمالي للسورة
هذه السورة مكية كلها، وهي فيها من المعاني والأخبار والعبر وألوان الترهيب والتحذير ما هو كثير.
والسورة مبدوءة بذكر الملائكة الأطهار العظام على اختلاف هيئاتها وأجنحتها، وأولئك خَلْق أبرار يعبدون الله دوما لا ينقطعون ولا يفترون.
وفي السورة يحذر الله عباده من تغرير الشيطان لهم بما يزينه لهم من فتن الحياة الدنيا وزينتها وزخرفها.
وتتضمن السورة بيانا بأجناس شتى من الخلائق التي ذرأها الله في هذا الكون مما يدل على عظمته سبحانه وجلال قدره، وذلك كخلْق الإنسان من تراب، وتسخير الليل والنهار والشمس والقمر إلى أجل مسمى، وغير ذلك من الكائنات والأجرام في السماء والأرض.
وفي السورة إعلان رباني كريم بأن الناس جميعا فقراء إلى الله، وأنه سبحانه هو الغني وهو مالك كل شيء - وفيها ترسيخ لقاعدة من قواعد الحق والعدل، وهي أن النفس لا تحمل وزر نفس أخرى وإنما يناط بالمرء من المسئولية والحساب ما قدمته يداه.
وفي السورة وصف لحال الكافرين الخاسرين وهم خلود في النار فلا يبرحونها ولا يخفف عنهم من لهيبها واستعارها - إلى غير ذلك من المواعظ والعبر وألوان التخويف والتحذير.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قوله تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}
ذلك ثناء من الله عز وجل على نفسه؛ فهو الخالق المعبود الجدير بالشكر الكامل، وهو سبحانه {فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} {فَاطِرِ} مجرور على أنه صفة لاسم الله تعالى - أو على البدل منه 1 و {فَاطِرِ} من الفطر أي الابتداء والاختراع 2 - قال ابن عباس: كنت لا أدري ما فاطر السماوات والأرض حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر، فقال أحدهما لصاحبه: أنا فطرتها؛ أي بدأتها - والمراد: أن الله وحده جدير بالعبادة والشكر الكاملين؛ فهو سبحانه بديع السماوات والأرض وخالقهما وما فيهما وما بينهما - وما ينبغي لأحد من دون الله أن تذعن له القلوب وتخرَّ له النواصي - وهو سبحانه: {جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا} {رُسُلًا} مفعول ثان؛ أي جعل الله الملائكة رسلا إلى أنبيائه، أو لينيط بهم من الوجائب والمسؤوليات ما يبادرون بفعله سراعا {أُولِي أَجْنِحَةٍ} أي أصحاب أجنحة يطيرون بها سراعا خفافا ليبلغوا ما أمروا به، أو ليفعلوا ما يكلّفهم الله بفعله.
قوله: {مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ} هذه الأسماء في موضع زجر على الوصف؛ لأجنحة، وهي غير منصرفة لأنها صفات، ولكونها معدولة من جهة اللفظ والمعنى - أما العدل من جهة اللفظ: فإن {مثنى} معدول عن اثنين - {وثلاث} ، معدول عن ثلاثة - {ورباع} معدول عن أربعة.
وأما العدل من جهة المعنى: فلأنه يقتضي التكرار؛ فمثنى عن اثنتين اثنتين، و {وثلاث} عن ثلاثة ثلاثة، و {رباع} عن أربعة أربعة 3
والمعنى، أن من الملائكة من له جناحان، ومنهم من له ثلاثة أجنحة - ومنهم من له أربعة أجنحة - ومنهم من له أكثر من ذلك - وهم يهبطون بها من السماء إلى الأرض، ويعرجون من الأرض إلى السماء.