فهرس الكتاب

الصفحة 1345 من 2536

قوله: (ما عندكم ينفد وما عند الله باق) ، (ما عندكم) ، مبتدأ، وخبره (ينفد) - والنفاد معناه الذهاب والفناء - ونفد، بالكسر، ينفد، بالفتح، نفادا ونفودا 115 - وذلك إعلان رباني داو يثير الأذهان ويبعث على طول التدبر والاعتبار - وجملة ذلك: أن ما عندكم أيها الناس من مال وزخرف وزينة على اختلاف صورها وأشكالها وضروبها؛ فإنه داثر زائل - والأصل في ذلك أن هذه الدنيا بكليتها وبما حوته من أموال وخيرات تشتهيها الأنفس ليست إلا الحطام الذي سيفضي لا محالة إلى الفناء - لكن ما عند الله من جزاء أعده لعباده المؤمنين الصادقين الأوفياء لهو الدائم الباقي.

قوله: (ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون) ، أي: ليثيبن الله الذين صبروا على الفاقة وأذى الكافرين، وعلى طاعة ربهم والتزام شرعه وأحكامه يوم القيامة بجزاء أحسن من أعمالهم - أو بأحسن ما كانوا يعملون من الأعمال دون أسوئها 116.

قوله تعالى: (من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينّه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون(97) ، ذلك إعلان كذلك يبين الله فيه للعالمين أن من يعمل من الناس- ذكرا أو أنثى-، عملا صالحا فيه الطاعة لله، (وهو مؤمن) ، الجملة في موضع نصب على الحال 117؛ أي: حال كونه مؤمنا بالله وكتبه ورسله وملائكته، مصدقا بقضاء الله وقدره واليوم الآخر - وهذا دليل أبلج على شرط القبول للأعمال، وهو الإيمان المستقيم الصحيح - وعلى هذا لا وزن ولا قيمة للعمل المقترن بالكفر أو النفاق أو الرياء، فلا يقبل من الأعمال إلا ما كان منها خالصا لله.

قوله: (فلنحيينه حياة طيبة) ، لسوف يحيي الله المؤمن المخلص حياة طيبة - وقد اختلف العلماء في المراد بالحياة الطيبة - فقد قيل: الرزق الطيب الحلال، وقيل: السعادة - وقيل: الجنة - وقيل: القناعة - والصواب من ذلك: أن الله جل وعلا يمتن على عبادة العاملين المخلصين بفيض الإحساس بالرضى والبهجة والاطمئنان - وهكذا يكون المؤمن العامل المخلص؛ إذ يجد في نفسه من برْد الراحة والقناعة والطمأنينة، ما يجعله مستديم الشعور بالأمن والسكينة والحبور، سواء كان ذا يسار أو إعسار - وثمة حقيقة تضمنتها هذه الآية - وهي استواء الذكر والأنثى في تحصيل الحياة الطيبة، وحسن الجزاء من الله إذ تحقق شرط القبول للأعمال، وهو الإيمان الصحيح المستقيم - فأيما ذكر أو أنثى حسن عمله وهو مؤمن؛ فإنه في زمرة السعداء والفائزين في الدارين، بغض النظر في ذلك عن اعتبارات الذكورة والأنوثة، أو اختلاف الأجناس والألوان.

قوله: (ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون) ، ذلك يوم القيامة، فهم إذا صاروا إلى ربهم جزاهم الله الأجر بأحسن ما كانوا يعملون من الطاعة.

وقيل: إن هذه الآية نزلت بسبب قوم من أهل ملل شتى، تفاخروا فقال أهل كل ملة منها: نحن أفضل، فبيّن الله لهم أفضل أهل الملل - وقيل: جلس ناس من أهل الأوثان وأهل التوراة وأهل الإنجيل - فقال هؤلاء: نحن أفضل - وقال هؤلاء: نحن أفضل، فأنزل الله تعالى: (من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة) الآية 118.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت