قوله تعالى: {وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس والشجرة الملعونة في القرآن ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا} هذا تخصيص من الله لنبيه محمد (ص) على تبليغ رسالة الإسلام فيمضي بها إلى الأمام قدما غير هيّاب في ذلك ولا متردد - وفي الآية أيضا إعلام من الله أنه سيمنعه من الناس فلا ينفذون إليه بأذى أو مكروه؛ لأنه عاصمه من كل سوء وهو سبحانه قد (أحاط بالناس) أي أحاطت قدرته بهم فهم في قبضته وسيطرته ولا يستطيعون الخروج من مشيئته وإحاطته - فلا تعبأ بهم يا محمد ولا يثنوك عما أمرك الله به من تبليغ دعوة الإسلام للناس.
قوله: (وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس والشجرة الملعونة في القرآن) المراد بالرؤيا، ما رأيه النبي (ص) ليلة أسري به إلى بيت المقدس (والشجرة الملعونة) هي شجرة الزقوم؛ فقد أخبر النبي (ص) عقب إيابه من المعراج أنه رأى الجنة والنار ورأى شجرة الزقوم - فكذبوا بذلك حتى قال أبو جهل: هاتوا لنا تمرا وزبدا وجعل يأكل من هذا ويقول: تزقموا فلا نعلم الزقوم غير هذا.
وفي الآية تقديم وتأخير؛ أي ما جعلنا الرؤيا التي أريناك والشجرة الملعونة في القرآن إلا فتنة للناس - والفتنة ارتداد بعض المسلمين ضعفة الإيمان حين سمعوا بإسراء النبي (ص) ؛ إذ لم تتصور عقولهم ذلك فأنكروا - وكذلك الشجرة الملعونة - وفتنتها أنهم لما خوفهم الله بكونها طعاما للجاحدين المكذبين قال أبو جهل كلمته الظالمة اللئيمة استهزاء وتهكما: هل تدرون ما هذا الزقوم الذي يخوفكم به محمد (ص) ؟ قالوا: لا - قال: الثريد بالزبد - أما والله لئن أمكننا منها لنتزقمنها تزقما 72 - والشجرة في ذاتها لا تقع عليها اللعنة؛ بل لعن الله الكافرين الذين يأكلون منها في النار - والمعنى: والشجرة الملعون آكلوها في القرآن.
قوله: (ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا) أي يخوف الله الناس بمخاوف الدنيا مما حوته من الآلام والأرزاء والنوائب، وكذلك يخوفهم بقواصم الآخرة وما فيها من البلايا وعظائم الأمور - فما يزيدهم كل هذا التخويف إلا تماديا في البطل وإغراقا في الفساد والطغيان 73.
قوله تعالى: {وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس قال أأسجد لمن خلقت طينا (61) قال أرأيتك هذا الذي كرمت علي لئن أخرتن إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته إلا قليلا (62) } هذا إخبار آخر عن قصة إبليس في عتوه واستكباره وإيغاله في الطغيان والتمرد؛ إذ أمر الله ملائكته بالسجود تكريما لآدم فأخبتوا لله مذعنين (إلا إبليس قال أأسجد لمن خلقت طينا) والاستفهام للإنكار؛ فقد أجاب إبليس ربه في غاية الاجتراء المتوقع وأقصى ما يكون عليه العتوّ واللؤم والاستكبار.
واللعين يرى في تصوره الخاطئ السقيم أن جوهره من النار أشرف من جوهر الطين الذي خلق منه آدم - لاجرم أن هذا إيغال في الوهم وإغراق في الشذوذ وسقم التفكير - وإنما يفضل الخلق بعضهم بعضا بسلامة الطبع والفطرة وصفاء النية والمقصود وحسن التوجه إلى الله الواحد وكفى - وقوله: (طينا) منصوب على أنه تمييز أو حال 74.