فهرس الكتاب

الصفحة 1523 من 2536

(بل ربكم رب السماوات والأرض الذي فطرهن) وذلك إضراب عن كونه لاعبا؛ إذ أخبر أنه جاد، وأن الذي يستحق العبادة لهو رب العالمين؛ وهو رب السماوات والأرض، ورب كل شيء (الذي فطرهن) أي فطر الأصنام التي تعبدونها؛ فهو خالقها وخالقكم وخالق كل شيء - لا جرم أنه أحق أن تعبدوه وتذعنوا لطاعته (وأنا على ذلكم من الشاهدين) الإِرادة عائدة إلى المذكور من توحيد الله وإفراده بالربوبية دون غيره - وهذه حقيقة لا ريب فيها وأنا عليها (من الشاهدين) أي من الذين يشهدون على هذه الحقيقة وهم كثيرون - وهي حقيقة جلية بلجة لا يجحدها إلا كل مأفون جهول متعنت 25.

قوله تعالى: {وتالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين (57) فجعلهم جذاذا إلا كبيرا لهم لعلهم إليه يرجعون (58) قالوا من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين (59) قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم (60) قالوا فأتوا به على أعين الناس لعلهم يشهدون (61) قالوا آأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم (62) قال بل فعله كبيرهم هذا فسألوهم إن كانوا ينطقون (63) } .

أقسم إبراهيم الخليل عليه السلام ليكيدن أصنام هؤلاء الضالين السفهاء بتكسيرها وتحطيمها بعد أن يبرحوا مغادرين - وهذا صنع هائل قام به النبي الأكرم إبراهيم بشجاعته الفذة المعروفة وجرأته البالغة في مواجهة الباطل على نحو ليس له في الرجال نظير - ذلك بالرغم مما كان يحف به من المخاطر العصيبة، خصوصا إذا علمنا مبلغ جهالة القوم ومدى تشبثهم بالأصنام وحبهم لها، وعلى رأسهم الطاغوت العاتي نمروذ - لكن إبراهيم بقلبه الكبير الحافل بالإيمان واليقين والثقة بالله أجدر أن لا يخشى أحدا سوى الله - وأجدر أن يكون أهلا لما صنعه بأصنام القوم من تقطيع وتهشيم، دون أن يثنيه عن ذلك ضعف أو خشية من سطوة الظالمين وعدوانهم وهو قوله: (وتالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين) التاء، من حروف القسم - والمراد بالكيد الاجتهاد في تكسير الأصنام مع ما يخالط ذلك من لطيف الحيلة في الإخبار عن نفسه بأنه سقيم وأن الذي قام بالتكسير كبيرهم من الأصنام نفسها - لذلك أقسم قائلا: تالله لأجتهدن في تحطيم هذه الأصنام معقب خروج القوم إلى عيد لهم.

قوله: (فجعلهم جذاذا) أي حطاما أو قطعا - من الجذ بالفتح وهو القطع 26.

هكذا فعل إبراهيم بالأصنام؛ إذ كسّرها بفأسه تكسيرا حتى صيرها حطاما باستثناء الصنم الكبير منها؛ فقد تركه ثم علق فأسه في عنقه- أي عنق الصنم.

قوله: (لعلهم إليه يرجعون) أي فعل إبراهيم ما فعله بأصنامهم ترجيا منه أن يرجعوا إلى الله بالتوبة والندامة والاستغفار ومجانبة الشرك والضلال، أو يرجعوا إلى الصنم الكبير وقد علق إبراهيم الفأس في عنقه فيسألوه عمن فعل هذا بالأصنام فلا يجيبهم - وفي ذلك ما يحملهم على مراجعتهم أنفسهم أو تبكيتها ثم الإدراك بأن هذا الصنم أصم لا يعي ولا ينطق - وما الأصنام المكسرة إلا أحجار من الحجارة المصفوفة الخرساء، فأجدر ألا تكون آلهة مربوبة، مما ينبههم إلى أنهم غائرون في السفاهة والباطل، فعسى أن يزدرجوا عن ظلمهم ويفيئوا إلى الحق بعبادة الله وحده.

وعندما رجع القوم من عيدهم وأقبلوا على أصنامهم فألفوها على حالها من التحطيم أسقط في أيديهم واستشاطوا غضبا ورغبة في الثأر والانتقام لما حل بآلهتهم المصطنعة من تكسير وتهشيم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت