قوله: (وأعانه عليه قوم آخرون) أي استعان محمد (ص) على الإتيان بهذا القرآن بقوم آخرين من اليهود علموه أخبار السابقين - وقيل: المراد بقوم آخرين بعض الموالي والمستضعفين من غير العرب مثل عدّاس، مولى حويطب بن عبد العزى وغيره من الكتابيين الذين كانوا يقرأون التوراة ثم أسلموا.
قوله: (فقد جاءوا ظلما وزورا) الضمير يرجع إلى الذين كفروا، هؤلاء الطغاة المعاندون الأشقياء الذين يهرفون بالباطل والكذب مما ليس لهم فيه أدنى برهان، إنه افتراء واختلاق وزور تتقيؤه حناجر المجرمين التاعسين الضالعين في التعس والرجس، كالنضر وأمثاله من الشياطين في كل زمان - وهم يعلمون أنهم مبطلون كاذبون - فقال سبحانه في دفع مقالتهم: (فقد جاءوا ظلما وزورا) ذلك تنديد من الله بالغ بمقالة هؤلاء الأفاكين، ودفع لما قالوه وافتروه بأنه ظلم وزور - أما الظلم: فهو وضع الشيء في غير موضعه؛ فقد جعلوا العربي يتلقن من العجمي كلاما فذا بالغ الفصاحة، نكص دونه العلماء والعظماء من العرب؛ فأنى للأعاجم أن يصنعوا مثله؟.
وأما الزور: فقد بهتوا رسول الله (ص) بما ليس فيه وهم يعلمون أن محمدا (ص) كان في غاية الصدق والأمانة والبراءة والرحمة والبر؛ فقد لبث فيهم أربعين سنة قبل بعثه حتى سموه لفرط صدقه وبره واستقامته: الأمين.
قوله: (وقالوا أساطير الأولين اكتتبها) (أساطير) جمع أسطار وأسطورة - والأساطير، أحاديث المتقدمين وما كانوا يسطرونه من القصص والخرافات.
قوله: (اكتتبها) يعني كتبها لنفسه - أو استكتبها؛ أي كتبها له كاتب؛ لأنه كان أميا (فهي تملى عليه بكرة وأصيلا) أي تقرأ عليه أول النهار وآخره ليحفظها - وذلك من جملة ما كان يهذي به المشركون عنادا ومكابرة - وهم في قرارة أنفسهم وفيما بينهم موقنون أن محمدا (ص) صادق، وأنه مرسل من لدن إله حكيم، وأن ما جاءهم به لا نظير له في الكلام، وأنهم لا قبل لهم أن يصطنعوا شيئا مثله.
قوله: (قل أنزله الله يعلم السر في السماوات والأرض) أي قل لهم: إن الذي أنزل القرآن لهو علام الغيوب، الذي يعلم ما خفي من أسرار في العالمين ويعلم كل خبئ مستكن في السماوات أو الأرض - والقرآن قد تضمن من عجيب المعاني والأخبار والأسرار ما لم يكن يعلمه محمد (ص) ، فلا جرم أنه تنزيل من رب العالمين.
قوله: (إنه كان غفورا رحيما) ذلك من لطف الله بالعباد؛ إذ يبين للظالمين المعاندين أنه ممهلهم فلا يعاجلهم العقوبة ليزدجروا ويتوبوا إلى ربهم فيغفر لهم ما أظهروه من الكفر والعصيان - وذلك من فضل الله على عباده ورحمته بهم؛ فإنه لا يعجل لهم العذاب بل يمهلهم ليتوبوا فإن تابوا وأنابوا نجوا، وإن لم يتوبوا باءوا الخسران وسوء المصير 2.