قوله: {إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ} : {حُبَّ} مفعول به - وقيل: مصدر، فقد ذُكر أنه اشتغل بعرض الخيل الجياد حتى فات وقت صلاة العصر فتركها نسياننا لا عمدا، كما شغل النبي صلى الله عليه وسلم يوم الخندق عن صلاة العصر فصلاها بعد المغرب.
والمعنى: إني آثرت حب الخير وهي الخيل فألهاني ذلك عن ذكر ربي أي غفل سهوا عن ذكر ربه وأداء فريضته: وقيل: إن ذلك صلاة العصر {حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ} حتى غابت الشمس في مغيبها - أو استترت بالليل فهو يستر ما فيه.
قوله: {رُدُّوهَا عَلَيَّ} أي ردوا على الخيل التي عرضت عليّ فشغلتني عن الصلاة.
قوله: {فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ} يعني أمر بها - فعقرت، أو ضرب أعناقها وعراقيبها بالسيوف؛ لأنها شغلته عن عبادة الله وكان ذلك في شرعهم جائزا إن كان غضبا لله - وقيل: إن سليمان عرقبها ثم ذبحها، وذبح الخيل وأكل لحمها جائز.
قوله تعالى: {وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ} : فَتَنَ الله سليمان عليه السلام؛ إذ ابتلاه أو اختبره - أما حقيقة هذا الابتلاء: فقد ذكر فيه أقوال كثيرة لا نطمئن إلى جُلِّها لاختلاطها بالإسرائيليات من الأخبار - ومن جملة ذلك: أن سليمان عليه السلام تزوج امرأة من بنات الملوك فعبدت في داره صنما وهو لا يعلم، فامتحن بسبب غفلته عن عبادتها الصنم - وقيل: ابتلاه الله بشيطان جلس على كرسيه أربعين يوما - وكان لسليمان عليه الصلاة والسلام مائة امرأة وقيل: كانت له ثلاثمائة امرأة وكانت امرأة منهن يقال لها جرادة وهي آثَرُ نسائه عنده - وكان إذا أتى حاجة نزع خاتمه ولم يأمن عليه أحدا من الناس غيرها فأعطاه يوما خاتما ودخل الخلاء، فخرج الشيطان في صورته - فقال: هاتي الخاتم فأعطاه فجاء حتى جلس على مجلس سليمان وخرج سليمان بعد ذلك فسألها أن تعطيه خاتمه، فقالت: ألم تأخذه قبل؟ قال: لا وخرج كأنه تائه - ومكث الشيطان يحكم بين الناس أربعين يوما فأنكر الناس أحكامه فاجتمع قراء بني إسرائيل وعلماؤهم فجاءوا حتى دخلوا على نسائه فقالوا لهن: إنا قد أنكرنا هذا، فإن كان سليمان قد ذهب عقله وأنكرنا أحكامه، ثم أقبلوا يمشون فأحدقوا به ثم نشروا يقرأون التوراة فطار من بين أيديهم حتى وقع على شُرفة والخاتم معه، ثم طار حتى ذهب إلى البحر فوقع الخاتم في البحر، فقام سليمان إلى شاطئ البحر فوجد الخاتم في بطن حوت فأخذه فلبسه فردّ الله عليه مُلكه وسلطانه - وقيل غير ذلك مما هو نظير لما ذكرنا - وكله في الغالب - من الإسرائيليات التي لا يُركن إليها.
قوله: {ثُمَّ أَنَابَ} أي رجع إلى الله تائبا.
قوله: {قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي} أي استر علي ذنبي الذي فعلت {وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي} أي اعطني من الملك ما ليس لأحد من بعدي - أو لا يُسلب منى كم سُلب {إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ} الله الذي يهب الملك لمن يشاء من عباده وهو سبحانه بيده مقاليد كل شيء.