فهرس الكتاب

الصفحة 1099 من 2536

قوله: {ومنهم من يستمع إليك أفأنت تسمع الصم ولو كانوا لا يعقلون 42 ومنهم من ينظر إليك فأنت تهدي العمى ولو كانوا لا يبصرون} جمع الضمير في {يستمعون} حملا على المعنى؛ لأن معناها الجمع، وأفرده في {ينظر} حملا على اللفظ؛ لأن لفظها مفرد 54 والاستفهام للنفي، والفاء في الموضعين للعطف، وهذا فريق من المشركين الضالين قد ختم الله سمعه وقلبه وبصره فبات كالأبله الأصم الذي لا يسمع ولا يعي - وكالأعمى الضال الذي لا يبصره ولا يهتدي، هؤلاء لفرط تمردهم وعتوهم وفظاعة جحودهم وحقدهم باتت طبائعهم ونفوسهم لا تستسيغ الحق ولا تلين لكلام الله؛ فهم يشهبون في ظواهرهم الصم والعمى؛ إذ هم يستمعون إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ القرآن وتنسكب من فيه الطاهر أروع الحكمة والكلم - لكن جهاز الاستقبال المركوز في أعماقهم معطل مشلول؛ فهم بذلك لا تلين قلوبهم لسماع القرآن، ولا يستجيبون لندائه البليغ المؤثر كأنما هم صم لا يسمعون شيئا، أو عمي لا يرون شيئا - ويدل ذلك على أن أحدا لا يؤمن إلا بتوفيق الله وهدايته وترشيده - وهذا رد على القدرية قولهم: إن الإنسان قادر على فعل ما يريد - سواء في ذلك سلوكه سبيل الهداية أو سبيل الضلال.

قوله: {إن الله لا يظم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون} هؤلاء الذين لم ينفعهم سمعهم؛ إذ لم يستمعوا، ولم ينفعهم بصرهم؛ إذ لم يبصروا - إنما ظلموا هم أنفسهم ولكن الله ليظلمهم؛ فقد لزمتهم الحجة من الله الذي وهبهم السمع والبصر لكي يستمعوا بآذانهم، ويشاهدوا بأبصارهم دعوة الحق المجلجل - الحق - الذي تنطق به كلمات الله في قرآنه المجيد؛ فالله سبحانه لا يفعل بخلقه مالا يستحقون منه، ولا يعاقبهم إلا بما أسلفوا من الكفر والمعاصي، بعد أن لزمتهم الحجة - وفي الحديث مما رواه مسلم عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل: (يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما؛ فلا تظلموا) إلى قوله ك (يا عبدي غنما هي أعمالكم أحصيها لكم قم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرا؛ فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك؛ فلا يلومن إلا نفسه) 55.

قوله تعالى: {ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار يتعارفون بينهم قد خسر الذين كفروا بلقاء الله وما كانوا مهتدين} {يوم} ، منصوب من وجهين - أحدهما: أن يكون منصوبا بتقدير أذكر.

ثانيهما: أن يكون منصوبا على الظرف - والكاف في قوله: {كأن} في موضع نصب على الحال من الضمير {هم} في قوله: {يحشرهم} وتقديره: يوم يحشرهم متشابهين.

وقيل: صفة لمصدر محذوف - وتقديره: يحشرهم حشرا مشابها لحشر يوم لم يلبثوا قبله 56.

وذلك تذكير من الله الموعود، اليوم الذي تنتهي فيه الحياة الدنيا لتقوم بعدها القيامة بأهوالها وويلات وفظائعها، ويومئذ تتزلزل القلوب والأبدان، وتتبدد العزائم والهمم والإرادات، وتذوي المقامات والوجاهات والزعامات، وتخنس الأصوات وكل النداءات؛ فلا يسمع منها إلا همس المهلوع الخائر، أو المستيئس الوجل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت