فهرس الكتاب

الصفحة 792 من 2536

ولذلك قال: {لن نؤمن حتى نؤتى مثا ما أوتي رسل الله} يعني مثل ما أوتوا من الرسالة أو النبوة - ويعزز هذا التأويل قوله تعالى: {الله أعلم حيث يجعل رسالته} ذلك إنكار من الله عليهم من أجل هذه المقالة الظالمة التي اجترؤوا فيها على حكمة الله وتقديره - فالله تعالى أعلم بمن هو أحق بالرسالة، ومن هو جدير بحمل هذه الأمانة العظمى التي لا يطيق حملها غير النوادر القلة من أخبار البشرية - أولئك الأعاظم الأفذاذ من هداة العالمين الذين يعلم الله وحده حقيقة أكناههم وروعة فطرتهم وكمال خصالهم الحميدة المميزة - وقوله: {مثل} منصوب على أنه نعت لمصدر محذوف - وما مصدرية - والتقدير: لن نؤمن حتى نؤتها إيتاء مثل إيتاء رسل الله - وحيث، مفعول لفعل مقدر - أي يعلم - والجملة بعدها صفة لها - وقيل: حيث مضاف - والجملة بعدها مضاف إليه.

قوله: {سيصيب الذين أجرموا صغار عند الله وعذاب شديد بما كانوا يمكرون} ذلك وعيد من الله لؤلئك المضلين المجرمين الذين يكيدون للإسلام والمسلمين والذين يتربصون بالمسلمين السوء والضعف والهوان - لقد توعد الله هؤلاء الشياطين من البشر الغادر، بالصغار - وهو الذل والمهانة والخزي من عند الله سواء في الدنيا أو الآخرة - أما في الدنيا فلا مناص للمجرم الغادر الذي تمالأ على الإسلام والمسلمين، من سقوطه في عذاب الدنيا ليذوق وبال أمره - وألوان العذاب الدنيوي كثيرة - منها الأمراض الأليمة، وأمراض النفس الممضة - أو غير ذلك من صور البلاء كالخزي والإذلال والافتضاح - وإذا تصور الناس أن هؤلاء المجرمين الأكابر ما أصابهم من الدنيا عذاب بحسب الظاهر، فإنهم سيفيضون إلى عذابهم المحقق المنتظر في أشد الساعات ضيقا وثبورا وحراجة وهم يكابدون أشد المكابدة في سكرات الموت - لا جرم أن ذلك ذرة العذاب في هذه الدنيا، بل إنه أنكى ما يحيق بالمجرمين في دنياهم من العذاب - ولعمر الحق إن عذاب الآخرة أشد نكاوة بما كادوه للإسلام وما صنعوه في المسلمين من ويلات وأفاعيل 157.

قوله: {فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون} .

من يرد الله هدايته للحق والإيمان {يشرح صدره للإسلام} أي يفتح قلبه لنور الإسلام حتى يستقبله بانشراح وراحة ورضى فيقبله قبول المتيقن المطمئن ويعيه وعي الجذلان المحبور.

قوله: {ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا} أي من يرد الله إضلاله وخذلانه {يجعل صدره ضيقا حرجا} منصوبان على الحال، إذا كان {يجعل} يعني يخلق - وقيل: {حرجا} وصف للمصدر - مثل: رجل عدل.

والضيق يراد به هنا القسوة والنبو عن قبول الحق - أي يضيق صدره وينسد انسداد الكز 158 المغاليق - وذلك هو تقدير الله في خلقه، يصنع ما يشاء لحكمة لا يعلمها إلا هو فلا معقب لحكمه ولا راد لقضائه - وهو سبحانه أحكم الحاكمين - والحرج معناه الضيق الشديد - وقيل: أضيق الضيق - قال ابن عباس في تأويل قوله: {ضيقا حرجا} : إذا سمع ذكر الله اشمأز قلبه - وإذا ذكر شيء من عبادة الأصنام ارتاح إلى ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت