قوله: {أم يقولون افتراه} {أم} منقطعة بمعنى بل والهمزة - والمعنى: أيقولون افتراه؟ أي اختلقه وتقوله، والاستفهام للتوبيخ والتقريع - قوله: {قل فاتوا بعشر سور مثله مفتريات} يعني إن كان ما أنبأكم به من هذا القرآن مختلفا؛ فإني أتحداكم أن تأتوا بعشر سور مختلفات -في زعمكم- من مثل هذا القرآن - وهذه مرحلة ثانية من مراحل التحدي للعرب؛ فقد تحداهم الله أول مرة أن يأتوا بمثل القرآن إن استطاعوا - وهم أعجز أن يأتوا ببضع آيات من مثله - والآن يأمر الله نبيه أن يتحداهم بالإتيان بعشر سور من مثل سوره - وهم في كل مرة لا يخفون عجزهم المطبق عن معارضة هذا الكتاب الحكيم، مع أنهم الفصحاء والبلغاء، وفيهم جهابذة البيان وأقطاب اللسن، وهم أقدر الناس على إدراك فنون اللغة، ما بيت منثور ومسجوع وشعر أو خطابه تتدفق ألفاظها من أفواه النابغين المصاقع؛ لكنهم مع عراقتهم وبراعتهم في ذلك كله قد انتكسوا مخذولين دون أن يقتدروا على مضاهاة القرآن الكريم في روعة نظمه وأسلوبه، وجمال رصفه ومبناه، وكمال مضمونه وما حواه من عظيم المعاني والعلوم - كل ذلك لا جرم يزجي بقاطع الدلالة على أن هذا الكتاب معجز، وأنه من كلام الله.
قوله: {وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين} أي ادعوا من استطعتم أن تدعوهم من العوان والأنداد سواء كانوا من البشر أو ممن تعبدون من الأوثان لافتراء ذلك واختلافه {إن كنتم صادقين} أن هذا القرآن مفترى، أو أنه قد اختلقه محمد بزعمكم.
قوله: {فإلم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله} فإن لم يستجب لكم أعوانكم من الأنداد والشركاء الذين تعبدونهم، للإتيان بعشر سور مثل هذا القرآن مختلفات ولم تطيقوا أنتم وإياهم الإتيان بذلك؛ فاعلموا واستيقنوا أن هذا القرآن أنزله الله، وأنه معجز، وأن محمدا لم يختلقه ولا يقدر على اختلاقه.
واعلموا أيضا أن منزل هذا القرآن المعجز لهو الله وليس من إله غيره؛ فهو وحده الإله المعبود، فاعبدوه وأطيعوه، واخلعوا الأنداد والشركاء المصطنعين؛ لتتوجهوا بقلوبكم ونواصيكم إلى الله وحده دون احد سواه {فهل أنتم مسلمون} الاستفهام للأمر - وفيه استثارة لأذهان المشركين ومشاعرهم كيما يستجيبوا للحق.
والمعنى: هل أنتم مذعنون لله بالإيمان والطاعة وإخلاص العبادة بعد الذين تبين لكم من بالغ الحجة وقاطع البرهان؟! 18
قوله تعالى: {من كان يريد الحياة الدنيا وزنتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون 15 أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون} {من كان} ، جملة شرط في محل جزم وجوابه {نوف إليهم} واختلف المفسرون في تأويل هذه الآية.