ثم يأتي الرد حاسما مباشرا وفي الحال: {قل بل ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين} وملة منصوب على المفعولية للفعل المحذوف المقدر
{نتبع} أي أخبرهم يا محمد أننا نحن هذه الأمة المؤمنة المسلمة لا نتبع ملة الشرك والميل عن الحق، بل نتبع ملة إبراهيم حنيفا - و {حنيفا} منصوب على المفعولية كذلك لفعل تقديره أعني، وقيل على الحال 122 - وقد كان إبراهيم على الحنيفية وهي التوحيد والاستقامة البعيدة عن أية صورة من صور الشرك - والحنيف من الفعل حنف أي مال 123 - فإبراهيم - عليه السلام- كان مائلا بطبعه وفطرته وسلامة تكوينه النفسي والروحي نحو الإسلام والامتثال لأمر الله تماما {وما كان من المشركين} .
136 - (قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ)
وقوله: {قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط - -.} يأمر الله نبيه الكريم والمسلمين أن ويعلنوا عن إيمانهم الحق بالله ربا خالقا منشئا للوجود من العدم، وإيمانهم كذلك بما أنزل إليهم وهو القرآن، وما نزل من كتاب ووحي على النبيين من قبلهم وهم إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط - والأسباط مفردها سبط وهو القبيلة أو الجماعة، وقد سميت بالسبط؛ لتتابعها إذ تأتي واحدة عقب أخرى - ويراد بالأسباط في الآية أبناء يعقوب الاثنا عشر، وقد ولد لكل واحد منهم أمة من الإسرائيليين، وقد بعث الله منهم نبيين ومرسلين كثيرين قد أنزل الله عليهم الوحي وأناط بهم وظيفة التبليغ والدعوة إلى الحنيفية المائلة عن الفساد والباطل والشرك.
ومما يلفت النظر ما ذكره ابن عباس إذ قال: كل الأنبياء من بني إسرائيل إلا عشرة: نوحا وشعيبا وهودا وصالحا ولوطا وإبراهيم وإسحاق ويعقوب وإسماعيل ومحمدا (صلى الله عليه وسلم) - وكذلك فإن على النبي والمسلمين أن يؤمنوا بما نزل على كليم الله موسى وروح الله عيسى بن مريم فقد أوتي الأول التوراة وأوتي الثاني الإنجيل وهما كتابان عظيمان فيهما خير الدنيا والآخرة، وينطويان على ما فيه إسعاد بني إسرائيل لو أنهم التزموا بما فيهما من مضمون ولم يتجرأوا عليهما بالتحريف والتنزييف.
ويجب التنبيه هنا إلى حقيقة التكليف الوارد في الآية وهو قوله: {قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم - -.} فالمطلوب هو مجرد التصديق والإيمان بما أنزل على النبيين السابقين من كتب، وأنهم قد أوحي إليهم - وليس على المؤمن من هذه الأمة أن يلتزم بأكثر من ذلك - فالقضية المبدئية أن يؤمن المسلم ويصدق بحقيقة الكتب السماوية الصادقة المبرأة من التلاعب والتحريف - أما ما نشاهده بين ظهراني اليهود والنصارى من توراة وإنجيل فما علينا من بأس أن نقف منهما موقف المحايد الحريص فلا نصدق ولا نكذب؛ ذلك أننا إذا صدقنا وأيقنا بما فيهما من غير تحفظ فلسوف تقع لا محالة في خطأ التصديق بما ليس من كلام الله مما هو مزيد أو مفترئ قد أضيف إلى كل من التوراة والإنجيل - أما إذا كذبنا بهما جميعا فلسوف يفضي هذا التكذيب المطلق إلى التكذيب بما صح فيهما.