قوله: {وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف لكم} أي ما أنفقتم من مال في شراء أسباب الجهاد وآلة الحرب أو غير ذلك من النفقات التي تقتضيها مصالح العساكر والجند من الطعام واللباس والدواء، فإن ذلك كله يخلفه الله على عباده المنفقين في الدنيا مع ما يدخره لهم في الآخرة من عظيم الأجر والتكريم والرضوان.
قوله: {وأنتم لا تظلمون} أي لا يضيع الله أجر من أنفق منكم - بل إن الله يخلفكم من جزيل العطاء والمثوبة عوضا عما أنفقتموه.
قوله تعالى: {وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله إنه هو السميع العليم 61 وإن يريدون أن يخادعوك فإن حسبك الله هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين 62 وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم} .
{جنحوا} ، من الجنوح وهو الميل 70 والسلم، بفتح السين - وقيل بالكسر - والسلم والسلام بمعنى المصالحة والمهادنة - والسلم مؤنثة، لذلك قال: {لها} والمعنى: إن مال الكافرون إلى مسالمتكم ومتاركة الحرب؛ إما بدخولهم الإسلام، أو بإعطاء الجزية، أو بالموادعة، أو نحو ذلك من أسباب الصلح {فاجنح لها} أي فمل إليها وابذل للكافرين الجانحين ما مالوا إليه من المصالحة.
وقد اختلفوا في نسج هذه الآية؛ فقد قيل: نسخها قوله: {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} وقوله أيضا: {وقاتلوا المشركين كافة} وقيل: نسخت سورة براءة كل موادعة حتى يقولوا لا إله إلا الله فيسلموا، والناسخ هو قوله تعالى: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الأخر} إلى قوله: {حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون} - وقتال ابن عباس: الناسخ لهذه الآية هو قوله تعالى: {فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم} .
وقيل: ليست هذه الآية منسوخة بل هي محكمة، والمراد به قبول الجزية من أهل الجزية، وقد قبلها منهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في زمن عمر ومن بعده من الأئمة؛ إذ صالحوا كثيرا من أهل العجم على ما أخذوه منهم، وترموهم وشأنهم من حيث عبادتهم وطقوسهم وشعائرهم الدينية - وصالح رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل خيبر بعد أن أظفره الله بهم.
على أن المسلمين إن كانت لهم مصلحة في الموادعة والصلح بما يحقق لهم المنفعة ويدفع عنهم ضرر؛ فلا بأس أن يبادر المسلمون بالمصالحة عند الحاجة؛ فقد هادن رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشا لعشرة أعوام حتى نقضوا عنهم معه - واختلفوا في المدة التي كانت بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين أهل مكة عام الحديبية، فقد قيل: كانت أربع سنين - وقيل: كانت ثلاثا - وقيل: كانت عشرا - وذهب الإمام الشافعي إلى أنه لا يجوز أن يهادن المسلمون المشركين أكثر من عشر سنوات على ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية - وذكر عن الإمام مالك أنه تجوز مهادنة المشركين السنة والسنتين والثلاث، وإلى غير مدة.
وإذا حاقت بالمسلمين الخطوب والمخاطر، واستحوذ عليهم العدو الغادر، وضاقت بهم الدنيا، وكانوا قلة، ورأوا أنه لا حيلة لهم في مواجهة العدو لقوته وضعفهم؛ جاز لهم حينئذ أن يبدلوا له المال لموادعته ومهانته حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا.