ولئن ظهر الإسلام وشارع في العصور الفائتة تحقيقا قوله تعالى: {ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون} فإن عود الإسلام من جديد كيما يهيمن على الواقع البشري كله ليس بالأمر البعيد - بل إن ذلك مرهون بالأسباب التي تفضي بالضرورة لهيمنة الإسلام وتطبيق شريعته في المجتمع - وسبيل المسلمين لهذا الأمل الكبير المنتظر أن يتلاقوا جميعا على عقيدة التوحيد بعيدا عم كل ألوان الشرك والنفاق والرياء والفرقة والأثرة - وأن تترسخ في قلوبهم حقيقة التقوى وهي الخوف من الله وحده دون أحد سواه - وأن تتركز بينهم آصرة الأخوة في العقيدة والدين فتسمو هذه على كل الأواصر المحدودة الأخرى - وأن يتهيأوا لليوم الفاصل الذي يواجهون فيه أعدائهم المتربصين فيستعيدون لذلك كامل الاستعداد من غير تفريط ولا تقصير ولا تردد - فيتزودون لذلك بزاد القوة الكافية التي يرهب بها المسلمون عدو الله وعدوهم - وهذه إحدى الوسائل التي لا مناص من التلبس بها؛ لأن أعداء الله لا تردعهم أساليب المجادلات والمحاورات المنطقية، ولا يصدهم الخلق الكريم، أو التعامل بالرفق والمودة واللين، إن أعداء الله لا يردعهم ولا يصدهم عن الشر والعدوان على المسلمين إلا قوة السلاح المرعب بكل ما تعنيه القوة من الأسباب العلمية والتقنية والمادية والعسكرية - وهو مقتضى قوله تعالى: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة} وبغير ذلك لسوف يبقى الظالمون والأشرار يعتدون على الإسلام والمسلمين، فيكيلون لهم الضربات والويلات بغير رادع ولا انقطاع.
وعلى أية حال؛ فإن الإسلام باق لا يزول ولا يفنى مهما طغى عليه العتاة والمتجبرون - ومهما تزاحمت من حوله المؤامرات والخيانات والافتراءات - إن الإسلام باق بقاء الشمس والقمر، وبقاء النجوم والكواكب التي توجب أجواز الفضاء بغير انقطاع ولا توقف حتى تقوم القيامة؛ لأن الإسلام قدر رباني حكيم وثابت - وظاهرة كونية كبرى من ظواهر هذا الوجود المستديم إلى قيام الساعة؛ وبذلك لا تقوى قوى البغي والظلام والعدوان والشر على استئصال الإسلام من الدنيا - وهو بالرغم من يعتريه الآن من ظواهر الضعف والاضطراب لفرط ما يحيق به من كيد وتآمر ولكثافة الضربات التي يوجهها إليه الظالمون والأشرار؛ فإنه لن يفنى ولن يزول بل إنه راسخ ومستطير وسيعاود الظهور والاستعلاء لا محالة؛ ليظهر على العالمين بإذن الله - وهذا مقتضى قوله سبحانه: {وهو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون} .
34 - (يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ)
قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلوا أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم 34 يوم يحمي عليها في نار جهنم فتكوي بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون} .