فهرس الكتاب
وربما قيل: ما الفائدة من دعاء إبراهيم أن يجنّبه الله وبنيه- وهم أولاده من صلبه- عبادة الأصنام مع أن النبيين معصومون عن الكفر وعن عبادة غير الله؟ ولعل الجواب الصحيح عن ذلك: أن إبراهيم دعا بمثل هذا الدعاء على سبيل التورع والتخشع وزيادة الخوف من الله، ومبالغة في إظهار الحاجة والفاقة إلى فضل الله وعونه ورحمته في كل آن.
قوله: (رب إنهن أضللن كثيرا من الناس) أي تسببت الأصنام في إضلال كثير من الناس - والمعنى: المراد أن الناس ضلوا بعبادة الأصنام - على أن إسناد الإضلال إلى الأصنام مجازي؛ لأن الأصنام جوامد لا تعقل.
قوله: (فمن تبعني فإنه مني) أي من سار على منهجي، منهج التوحيد الخالص لله وما أنا عليه من ملة صادقة كريمة (فإنه مني) من، اتصالية؛ أي فإنه متصل بي غير منفك عني في ملتي، ملة الإيمان بالله وحده لا شريك له.
قوله: (ومن عصاني فإنك غفور رحيم) أي من لم يتبع ملتي وما أنا عليه من منهج الحق والتوحيد؛ فإنك يا ربنا تستر الذنوب والمعاصي على عبادك وترحمهم بفيض رحمتك الواسعة - وقيل: إن الله يغفر لهم ويرحمهم إن آمنوا وتابوا وأقلعوا عن الكفر والعصيان 46.
قوله تعالى: {ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك الحرام ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوى إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون (37) ربنا إنك تعلم ما نخفي وما نعلن وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا في السماء (38) } مفعول (أسكنت) محذوف وتقديره: أسكنت ناسا من ذريتي بواد 47 - كرر إبراهيم النداء الخاشع المتذلل إلى ربه رغبة في الاستجابة وميلا للالتجاء إلى جناب الله العظيم فقال: (إني أسكنت من ذريتي) من السكنى، ويعنى اتخاذ المأوى للإقامة فيه (من ذريتي) أي بعض ذريتي - والمراد بهم هنا إسماعيل وأمه هاجر؛ فقد أسكنهم إبراهيم (بواد غير ذي زرع) وهو وادي مكة؛ إذ لم يكن فيه عندئذ زرع ولا نبات لانعدام الماء (عند بيتك المحرم) أضاف البيت إلى نفسه سبحانه؛ لأنه مالكه وليس من مالك له غيره - ووصفه بالمحرم؛ لأنه مُنع منه الطوفان إذ حرم عليه، وقيل: لأنه لم يزل عزيزا منيعا تهابه الجبابرة فلا يمسونه بسوء - وقيل: لأنه حُرم فيه ما لم يحرم في غيره من البيوت كالجماع والصيد والقتل - وسماه بيتا باعتبار ما كان؛ فإنه كان مبنيا من قبل - وقيل: باعتبار ما سيكون؛ لأنه كان من المعلوم أنه سوف يبنيه.
قوله: (ربنا ليقيموا الصلاة) أي أسكنتهم بهذا الوادي البلقع القفر الذي يخلوا من أسباب الرزق والمعاش (ليقيموا الصلاة) وذلك عند بيتك المحرم البيت المبارك الذي شرفه الله تشريفا وفضله على سائر البيوت في الأرض - وقد ذكر جنس الصلاة من بين العبادات والطاعات تعظيما لشأن الصلاة خاصة، وإظهارا لأهميتها المميزة البالغة التي تعلو على كل الشعائر والطاعات، وتفوق سائر العبادات جلالة وأهمية - وفي قوله: (ليقيموا) بضمير الجمع، ما يدل على أن الله قد أعلم إبراهيم بأن ولده إسماعيل سيكون له هنالك عقب ونسل يقيمون الصلاة في هذا المكان المبارك المقدس.