فهرس الكتاب

الصفحة 15 من 2536

قوله: (سواء عليهم ءأنذرتهم (سواء مبتدأ (ءأنذرتهم (وما بعده خبر، والتقدير: سواء عليهم الإنذار وعدمه، والهمزة، الأصل فيها الاستفهام، والمراد بها هنا التسوية، وأنذرتهم فعل وفاعل ومفعول، وأم، عاطفة - 2

وفي هذه الآية إنباء عن فريق من الكافرين قد سبق في علم الله أنه سيموت على الكفر، وأن هذا الفريق (سواء عليهم ءأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون (سواء معناها معتدل، أي يتساوى ويعتدل عند هؤلاء الجاحدين أن يستمعوا للنذير أو لا يستمعوا فإنهم فئة من الخلق ميؤوس منها فلن تؤمن أبدا، وذلك تمشيا مع علم الله في الأزل أن هؤلاء سيمضون في طريق الكفر مختارين، وبناء على ذلك فإن قوله: (إن الذين كفروا (يفيد بظاهره العموم، لكنه يراد به الخصوص، وقيل: إن الآية نزلت في كبراء اليهود الضالين أو في آخرين غيرهم ممن ماتوا على الكفر، إلا أن القول الأول هو الذي نطمئن إليه، والله سبحانه أعلم.

وقوله: (ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة (الختم هو الطبع، وقيل: التغطية للحيلولة دون ولوج الشيء في ما هو مغطى، والمقصود من ذلك: أن قلوب هؤلاء الكافرين وأسماعهم قد ختم الله عليها فلا ينفذ إليها إيمان أو يقين، وبذلك فإن هؤلاء سيؤول الأمر بهم إلى النار وبئس القرار.

وثمة مسألة تختلف فيها أقوال العلماء والمفسرين، وهي مسألة قد تصل إلى حد الإشكال الذي يثير جملة تأويلات وآراء، وهي: لمن يعود التأثير على القلوب والأسماع ليقع عليها الختم أو الطبع أو الإغلاق؟ هل يعود ذلك لله عز وجل ليكون سبحانه هو المؤثر في عملية الطبع على القلب والسمع للإنسان فلا يؤمن بحق ولا يستمع إلى كلمة الحق، أم أن ذلك يعود إلى الإنسان نفسه، فهو المختار المريد الذي يسلك سبيلا في الخير أو الشر وهو في ذلك حر؟.

أمام هذين القولين المختلفين أجدني أكثر اطمئنانا وقناعة أن أتصور أن معنى الختم أو الطبع على قلب الإنسان وسمعه قد ورد على سبيل الإخبار بعدم الإيمان وليس على سبيل القهر والإلزام أو على سبيل الخلق المحتوم.

وبعبارة أخرى، فإن الله جلت قدرته عالم علما أزليا بما هو كائن وما سيكون في الكون أو الطبيعة أو الإنسان، فإن ذلك كله مشمول بعلم الله، وهو علم أزلي غامر يحيط بالوجود جميعا من غير أن يند عنه شيء، فهو سبحانه عالم بأفعال الإنسان سواء ما كان منها خيرا أو ما كان شرا، فإنها تقع بإرادة الإنسان وهو في ذلك مخول قدرا من حرية الاختيار.

وخلاصة القول في هذه المسألة: أن الختم الواقع على قلوب الكافرين وأسماعهم والواردة في هذه الآية قد جاء على سبيل الإخبار من الله أن هذا الصنف من البشر لن يختار طريق الهداية والإيمان، والله سبحانه وتعالى أعلم.

أما القلوب فمفردها القلب، وقد سمي بذلك لأنه ينقلب من حال إلى أخرى، فهو بذلك قلب أي سريع التقلب من حيث استيعابه لمزيد من الإيمان واليقين أو سرعة افتقاده لشحنة من زاد الإيمان والتقوى، وشأن القلب وفي مثل هذه المسألة أنك تراه اهتدى واستقام أو استكثر زادا قد تقلب فانتقل عن صراط الحق والإيمان فيما يؤول إلى تدهور خطير سريع يؤثر في السلوك والأعمال لتكون فاسدة، ويؤيد هذا المعنى حديث' الرسول صلى الله عليه وسلم، إذ يقول: «مثل القلب مثل ريشة تقلبها الرياح بفلاة» ولقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو ربه ليثبت فؤاده على الإيمان قائلا:"اللهم يا مثبت القلوب ثبت قلوبنا على طاعتك".

ويقول الشاعر:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت