قوله: {قُرًى ظَاهِرَةً} أي متواصلة بقرب بعضها من بعض فيظهر لمن في بعضها مات في مقابلته من القرى الأخرى - وذلك لشدة القرب فيما بينها - فهي بذلك ظاهرة للسابلة لم تبعد عن مسالكهم فلا تخفي عليهم.
وقيل: ظاهرة مرتفعة وهي أشرف القرى - وقيل: ظاهرة بمعنى معروفة وذلك لحسنها ورعاية أهلها لمن يمر عليها.
قوله: {وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ} أي جعلا هذه القرى على مقدار معلوم من السير حتى من سار قرية صباحا وصل إلى أخرى وقت الظهيرة والقيلولة - ومن سار بعد الظهر وصل إلى أخرى عند الغروب فلا يحتاج بذلك إلى زاد ولا مبيت ولا يخاف من عدو ونحوه.
قوله: {سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آَمِنِينَ} وذلك أمر من الله على لسان أنبيائه - أي قلنا لهم سيروا في تلك القرى {لَيَالِيَ وَأَيَّامًا} أي متى شئتم من ليل أو نهار آمنين من كل مكروه؛ إذ لا خوف من عدو أو جوع أو عطش، وإنْ امتدت مدة سفركم.
قوله: {فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا} {رَبَّنَا} ، منصوب على النداء وهو قول أكثر المفسرين وأهل اللغة 23 فقد بطروا النعمة وسئموا من طول العافية فطلبوا الكدّ والتعب وبعد الأسفار ليزداد نصبهم وشقاؤهم فيكون ما يجلبونه أشهى وأغلى - وذلك هو دأب البطرين الفارهين الذين يملون النعمة وطول الرخاء والعافية فتجنح نفوسهم للشقاء والشظف بدلا من شكرهم لله على أنعمه وإفراده بالطاعة والعبادة.
قوله: {وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ} وذلك بتعريض أنفسهم لعذاب الله وسخطه بسبب عصيانهم وتكذيبهم وجحدهم النعم؛ إذ بطروها وغمطوها.
قوله: {فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ} أي يتحدث الناس بقصتهم وأخبارهم على سبيل التلهي والتعجب، معتبرين بعاقبتهم وما آلوا إليه من سوء المصير.
قوله: {وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ} أي فرّقناهم بالتباعد كل تفريق فتبددوا في البلاد - وقال الزمخشري في ذلك: لحق غسان بالشام وأنمار بيثرب، وجذام بتهامة، والأزد بعُمان.
قوله: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} يعني: إن في قصص هؤلاء البطرين الممزقين كل ممزّق لعظات وعبرا لكل امرئ شأنه الصبر عن المعاصي وعلى الطاعات، والشكر لله على ما أنعم به وتفضل 24.
قوله تعالى: {وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلاّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (20) وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلاّ لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآَخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ} .
{صَدَّقَ} ، بالتشديد، و {ظَنَّهُ} مفعول به 25 أي حقق إبليس ظنه على سبأ ومبعث ظنه مشاهدته أبيهم آدم؛ إذْ أصغى إلى وسوسته، فقاس الفرع وهم النسل والذرية على الأصل - أو قاس الولد على الولد - وقيل: أدرك إبليس ما رُكِّب في بني آدم من الشهوة والغضب وهما مبعث الشرور.