قوله: {فعلم ما لم تعلموا} يعني علم الله ما بمكة من الرجال والنساء المؤمنين الذين لا تعلمونهم أنتم - ولو دخلتم مكة في ذلك العام لوطئتموهم فلقتلتموهم فأصابكم بذلك معرة من غير علم منكم - وقيل: علم الله ما في تأخير الدخول إلى مكة من خير لكم وصلاح لم تعلموه أنتم - ذلك أنهم عقب رجوعهم مضوا إلى خيبر ففتحوها فرجعوا بأموال كثيرة وازدادوا بذلك من القوة والعدة أضعافا، فأقبلوا على مكة بقوة وأهبة أضعاف ما كانوا عليه قبل ذلك.
قوله: {فجعل من دون ذلك فتحا قريبا} المراد بالفتح صلح الحديبية في قول أكثر المفسرين - وقيل: فتح خيبر - والأول أولى بالصواب - فإنه ما من فتح في الإسلام كان أعظم من صلح الحديبية - لأنه لما كانت الهدنة بين الفريقين وقد أمن الناس بعضهم بعضا، التقوا فيما بينهم فتناظروا وتبادلوا الحديث والمناظرة - فما من أحد ذي عقل وفطرة سليمة، خوطب بالإسلام إلا دخل فيه - وبذلك دخل في هاتين السنتين في الإسلام مثل ما كان في الإسلام قبل ذلك وأكثر، فقد كانوا سنة ست يوم الحديبية ألفا وأربعمائة - وكانوا بعد عام الحديبية سنة ثمان، عشرة آلاف.
قوله: {هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله} أرسل الله رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم إلى الناس مرشدا ومعلما ليهديهم سواء السبيل وليستنقذهم من ظلمة الباطل والضلال إلى نور الحق والهداية واليقين {ودين الحق} وهو الإسلام، الدين الذي جاء بالحق وفيه من عظيم الأحكام والمعاني والعبر، ومن حقائق العدل والخير والبر والفضل والرحمة ما تستقيم عليه حال البشرية في هذه الدنيا، وما تنجو به يوم الحساب.
قوله: {ليظهره على الدين كله} أي ليعليه على سائر الأديان في الأرض وعلى الأمم والشعوب كافة - والله جل وعلا إنما يريد بذلك للبشرية الخير والأمن والهداية والسعادة - وهذه حقائق كبريات ليس لها وجود حقيقي معاين إلا في ظل الإسلام، فإنه الدين السماوي الوحيد الذي يشيع في الدنيا المن والحق والعدل والرحمة، ليكون الناس جميعا إخوانا مؤتلفين متوادين متعاونين - وذلك بما بني عليه الإسلام من قواعد عظيمة في غاية الكمال والجمال، ترسخ في الأرض كل معاني الخير والصلاح والسعادة، وتثير في النفس البشرية الإحساس الرهيف بالعطف والرأفة والإيثار وحب الآخرين.
والناس في ظل غير الإسلام لا يبرحهم الشقاء والتعس ولا تفارقهم المعضلات النفسية والاجتماعية، الفردية منها والعامة، وما ينشأ عن ذلك من مختلف الآلام والهموم والويلات وألوان المعاناة والأزمات وكل ذلك إنما يقع في معزل عن دين الإسلام - دين المودة والرحمة والبر والتعاون والإيثار - الدين الذي يمحو من النفس الكراهية والغلظة والأثرة (الأنانية) والتعصب - من أجل ذلك كتب الله أن يكون الإسلام ظاهرا ومهيمنا على الأديان وعلى الناس أجمعين ليكونوا بذلك سعداء آمنين راغدين غير ظالمين ولا مظلومين، وقد حفتهم من الله الرحمة والبركة والطمأنينة وطيب المقام في الدنيا والآخرة.
قوله: {وكفى بالله شهيدا} الباء حرف جر زائد - و {شهيدا} منصوب على التمييز أو الحال - والتقدير: كفاكم الله شهيدا 24 - والمعنى كفى الله شهيدا لنبيه صلى الله عليه وسلم - وتلك أكرم شهادة له بصحة نبوته وصدق ما جاء به - أو كفى الله شاهدا على أنه مظهر دينه على الأديان كافة 25.