فهرس الكتاب
إن ذلك أشد ما تبلغه القلوب الظالمة من قسوة وحقد وتحجر وهي تؤز الظالمين المجرمين لمثل هذا التعذيب الشنيع - ومع ذلك كله فرسول الله إبراهيم مستسلم لله، مذعن لجلاله، راض بقدره - فما تردد أو اضطرب أو تزعزع، وما مال أو لانَ أو استكان أو انثنى، بل إنه كان في هذه الساعة الرهيبة العصبية لأشد بأسا من أولي البأس جميعا، وأعظم رسوخا واستقرارا من الجبال الشم الراسيات على وجه البسيطة مع أنه كان موثوقا بالقيود والأغلال، وكان صابرا مذعنا راضيا بما كتبه الله له من بلاء - وقيل: إن المجرمين وضعوا إبراهيم في كفة منجنيق ليقذفوه في النار من بُعد - وذلك لهول ما أعدوه من نار حامية مستعرة شارك سائرهم في إيقادها وجمع الحطب لها - فلما القوه فيها قال عليه الصلاة والسلام قولته الكريمة العظيمة: حسبي الله ونعم الوكيل - وهو ما رواه البخاري عن ابن عباس أن إبراهيم قالها حين ألقي في النار وقالها محمد (ص) حين قالوا: (إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل) وذكر أن جبريل عرض إبراهيم وهو في الهواء عقيب إلقائه بالمنجنيق فقال له: ألك حاجة؟ فقال إبراهيم: أما إليك فلا وأما من الله فبلى؛ فاستحق إبراهيم من الله العون والمدد والكرامة، وفرج الله وعونه لعباده المظلومين الصابرين دان قريب.
قد صير الله النار بردا وسلاما بعد أن نزع ما فيها من خصوصية الإحراق وهو قوله سبحانه: (يا نار كوني بردا وسلما على إبراهيم) جعل الله النار على إبراهيم ذات برد وسلام؛ إذ لم يجعلها باردة وكفى - ولو كانت كذلك لما احتملها إبراهيم لشدة بردوتها لكن الله أذهب شدة بردها بجعلها سلاما آمنا لا يمس إبراهيم منها حر ولا أذية - وهذه معجزة ربانية عظمى أتمها الله تنجية لنبيه إبراهيم وبرهانا للعالمين كما تظل الدنيا دوام الزمن تذكر هذا الحدث الهائل الجلل الذي يحمل الأذهان على التصديق والاستيقان، ويؤكد أن نواميس الكون وقوانين الطبيعة والحياة كلها بيد الله، فإن شاء نزعها أو أوقف جريانها ليصنع ما يشاء من الخوارق والمعجزات.
قوله: {وأرادوا به كيدا فجعلناهم الأخسرين} أراد المجرمون أن يكيدوا لإبراهيم أعظم كيد وذلك بإلقائه في النار - لكن الله ردهم إلى الخزي والخسران؛ إذ جعل كيدهم في نحورهم فأبطل ما راموه لإبراهيم من سوء الكيد - وقيل: سلّط الله عليهم ما هو أحقر خلقه وأضعفه وهو البعوض؛ بأكل لحومهم وشحومهم وشرب دمائهم، وسلّط الله على نمروذ بعوضة قد دخلت من منخره إلى دماغه فجعلت تضطرب فيه وتنهشه وهو يصطرخ من شدة الألم اصطراخا، وقد ظل على حاله كهذه مدة طويلة من الوقت حتى مات 30.
قوله تعالى: {ونجيناه ولوطا إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين (71) ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة وكلا جعلنا صالحين (72) وجعنلهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين (73) ولوطا آتيناه حكما وعلما ونجيناه من القرية التي كانت تعمل الخبائث إنهم كانوا قوم سوء فاسقين (74) وأدخلناه في رحمتنا إنه من الصالحين (75) } .