فهرس الكتاب

الصفحة 786 من 2536

قوله تعالى: {وتمت كلمت ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلمته وهو السميع العليم} صدقا وعدلا، منصوبان على المصدر - وقيل: يجوز أن يكونا مصدرين في موضع الحال بمعنى صادقة وعادلة - وقيل: منصوبان على التمييز 142 - وكلمة تعني الكلام والمراد به القرآن - وتمام الكلمة معناه كمال القرآن - ومن مقتضيات كماله أنه الصدق والعدل - فهو صادق في كل ما قص أو أخبر، أو توعد أو أنذر - فالله تعالى لا يضاهيه ولا يدانيه في صور العدل والصدق أيما نظير، لأنه أصدق الصادقين وأعدل العادلين.

قوله: {لا مبدل لكلمته} أي لا مغير لما أخبر في كتابه - فوعده الحق، إذ لا خلف في وعده ولا رادا لقضائه.

قوله: {وهو السميع العليم} الله سميع لما يجري في العالمين من كلام وأحاديث فما من قول ينطق به الناطقون في العالمين، من حق أو باطل أو افتراء أو لغو أو غير ذلك من وجوه الكلام، إلا والله يسمعه - وكذلك فإن الله عليم بكل ما يقع في العالمين بل في الكون كله من أحداث أو أسرار، يستوي في ذلك ما كان منطوقا مسموعا أو كان مهموسا خفيا 143.

قوله تعالى: {وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون (116) إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين} .

ذلك إخبار من الله عن أهل الأرض، أن أكثرهم ضالون - ويؤيد هذه الحقيقة قوله تعالى: {وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين} فذلك تحذير من طاعة هؤلاء الضالين المضلين من أكثر البشرية - فإن طاعتهم تفضي إلى معصية الله ومجانبة أمره والركون إلى الهوى والشهوات - لا جرم أن اتباع المفسدين والأشرار من البرية سيؤول إلى الصدوف عن منهج الله والسقوط في وهدة الكفر والعصيان - وما ينبغي على المسلمين في كل زمان إلا الحذر من مطاوعة المفسدين من أهل الأهواء والضلال صونا وتنجية لأنفسهم من الوقوع في غضب الله وسخطه حيث النار وبئس القرار.

وقوله: {إن يتبعون إلا الظن} أي ما يتبع هؤلاء المشركون في عبادتهم ومقاصدهم وتصوراتهم إلا الظن الذي ليس له أصل من الحق أو اليقين - وإنما هو الشك القائم على الخطأ والحسبان وذلك لا يغني من الحق شيئا.

قوله: {وإن هم إلا يخرصون} يخرصون أي يكذبون - وذلك من الخرص بسكون الراء ومعناه الكذب وكل قول بالظن - والخراص الكذاب - تخرّص، أي كذب 144 والمعنى أن هؤلاء المشركين المضلين ما هم إلا يكذبون في مقالاتهم وأحاديثهم وعباداتهم - وهم كذلك كاذبون واهمون في تصوراتهم وفيما يحسبونه صوابا.

قوله: {إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله} من، في موضع نصب بفعل مقدر دل عليه {أعلم} والتقدير: يعلم من يضل عن سبيله 145.

والمقصود أن الله أعلم بالمضلين، فاحذروهم وضلالاتهم وغواياتهم - احذروهم وما يكيدون لكم أو يتربصون بكم وما يخططونه لكم من أساليب التخريب والإفساد والتضليل - وهو كذلك أعلم بمن هم المهتدون الذين سلكوا سبيل النجاة ومضوا على المحجة السوية البيضاء - أولئك أجدر أن نكون في زمرتهم لنسير في هذه الدنيا مسيرة الخير والبركة والطاعة لله دون غيره من الأنداد المضلين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت