وقوله: (ولن تجد لهم نصيرا) إذا هوى المنافقون في الدركات من النار وتقاحموا هناك كما تتقاحم القردة والثيران وعانوا في العذاب أشد المعاناة، فإنه ليس هنالك من ينقذهم أو يستجيب لعويلهم - ولن يكون لهم إذ ذاك نصير ولا مجير.
وقوله: (إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله) ذلك استثناء من المنافقين - والمستثنى هم أولئك الذين تابوا إلى الله وأنابوا وأقلعوا عن جريمة النفاق.
والتوبة تتضمن الندامة عن فعل الحرام والعزم على عدم العودة وذلك يستتبع عمل الخير كالإصلاح والاعتصام بحبل الله المتين؛ وذلك من أجل أن يكتب الله المغفرة ويتجاوز عما قارفه العبد من سيئات، أما إخلاص الدين لله فهو نقيض النفاق والرياء، وعلى الذي كان منافقا أو على شعبة من النفاق أن يبادر بالتوبة ثم يخلص النية والقلب لله ليكون مستسلما منقادا أو على شعبة من النفاق أن يبادر بالتوبة ثم يخلص النية والقلب لله ليكون مستسلما منقادا إلى الخالق دون سواه - وعلى ذلك فالتوبة والإصلاح والاعتصام بالله أو برباط العقيدة ثم إخلاص الدين لله في مجانبة كاملة للشرك أو النفاق والرياء والنفاق كل أولائك سبب في الدخول في حومة الإيمان والتقوى بعد الرياء والنفاق والمخادعة؛ ولذلك يقول سبحانه: (فأولئك مع المؤمنين وسوف يؤت الله المؤمنين أجرا عظيما) المراد من اسم الإشارة (فأولئك) الذين كانوا منافقين ثم تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله - فمثل هؤلاء قد بابوا مؤمنين وقد وجب إدراجهم في صف المؤمنين ولهم من الله أجر عظيم لتوبتهم وإصلاحهم وإخلاصهم.
وقوله: (ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم وكان الله شاكرا عليما) ذلك استفهام يتضمن تقريرا - ذلك أن الله سبحانه ليست له حاجة في تعذيب الناس إلا مجازاة العصاة منهم، وهم إذا ما كفروا فإن ذلك لا ينقص من ملكوت الله شيئا، وهو سبحانه لا يعبأ بالخلق من حيث إيمانهم أو إشراكهم وجحودهم - وعلى هذا فما الذي ينال الله من تعذيبه للعباد؟ إنه لا يناله من ذلك شيء، والناس إن آمنوا أو لجوا في الكفر فكل ذلك عنده سواء - قال صاحب الكشاف في تأويل: (ما يفعل الله بعذابكم -.) أي شيء يفعل الله سبحانه بسبب تعذيبكم أيتشفى به من الغيظ، أم يدرك به الثأر، أم يستجلب نفعا؟ أو يستدفع به ضررا كما هو شأن الملوك وهو الغني المطلق المتعالي عن أمثال ذلك؟ وإنما هو أمر أوجبته الحكمة أن يعاقب المسيء 174 - والله جلّت قدرته يشكر عباده على طاعته فيثيبهم عليها.