قوله: {مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع} ثمة فريقان وهما: فريق الشقاء، وفريق السعادة، ففريق الشقاء مثله كالأعمى الذي لا يبصر النور، والأصم الذي لا يسمع الموعظة وحسن الكلام - وأما فريق السعادة فمثله كالبصير الذي يرى الحق والهداية النور، والسميع الذي يسمع النصح والإرشاد والصواب - فالكافر ضال سادر في الكفر والباطل، كأنهما هو أعمى لا يرى حقا ولا صوابا، وكأنما هو أصم فلا يسمع من معاني الخير والهداية شيئا - أما المؤمن: فإنه بصير يرى الهداية والنور، وهو كذلك سميع، يسمع كلام الله فيخشع قلبه ويخبت إلى الله خاضعا منيبا.
قوله: {هل يستويان مثلا أفلا تذكرون} أي هل يستوي الفريقان {مثلا} منصوب على التمييز ومثلا يعني تشبيها أو صفة أو حالا {أفلا تذكرون} الاستفهام لإنكار عدم التذكر - يعني: أفلا تتفكرون وتعبرون بضرب هذه الأمثال والتأمل فيها لتستيقنوا مبلغ الاختلاف بين الفريقين المتباينين فتتعظوا وتزدجروا؟! 29
قوله تعالى: {ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه إني لكم نذير مبين 25 أن لا تبعدوا إلا الله إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم 26 فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما نرك إلا بشرا مثلنا وما نرك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي وما نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين} ذلك إخبار من الله يقص فيه عن نبأ نوح عليه السلام وقومه؛ إذ أرسله الله أول نبي للمشركين من أهل الأرض؛ فقد كان الذين من قلبه على فطرة الإيمان والتوحيد إلى أن داخلهم الشرك فأرسل الله إليهم نوحا متلبسا بقوله لهم: {إني لكم نذير مبين} أي ظاهر النذارة لكم؛ إذ أنذركم بأس الله على كفركم وتكذيبكم.
ونذير ومنذر والجمع نذر، بضمتين - أنذرته كذا إنذارا؛ أي أبلغته - وأكثر ما يستعمل في التخويف - كقوله سبحانه: {وأنذرهم يوم الأزفة} أي خوفهم عذابه 30.
قوله: {أن لا تبعدوا إلا الله إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم} جملة: {أن لا تبعدوا إلا الله} بدل من قوله: {إني لكم نذير مبين} أي أرسلناه بأن لا تعبدوا إلا الله - يعني: اتركوا الأصنام فلا تعبدوها وأطيعوا الله وحده دون أحد غيره - وقيل: {أن} مفسرة متعلقة ب {أرسلنا} أو ب {نذير} .
قوله: {إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم} جملة تعليلة - والمعنى: نهيتكم عن عبادة غير الله؛ لأني أخاف عليكم - واليوم الأليم هو يوم القيامة.
قوله: {فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما نرك إلا بشرا مثلنا} الملأ الذين كفروا من قومه، هم الكبراء والأشراف من قوم نوح الذين جحدوا نبوته وصدوا الناس عن الإيمان بدينه، فقد قالوا: {وما نراك إلا بشرا مثلنا} أي لست إلا آدميا تشبه في خلقك وصورتك؛ فقد كانوا ينكرون أن رسول الله للناس رسولا من البشر، بل ظنوا أن الله لا يرسل إلا ملكا من الملائكة.