وقوله: (يحبونهم كحب الله) أي يحب المشركون هذه الآلهة المصطنعة مثل حبهم لله ذاته سبحانه - فقد استقرت في أنفسهم وأذهانهم الشائهة محبة هؤلاء الأنداد من أصنام وأوثان وحاكمين وملوك بما يعدل محبتهم لله سبحانه.
وأكاد أقول: إن كثيرا ما تترجح في نفوس هؤلاء المشركين المحبة للآلهة المزيفة المصطنعة لتصبح أشد محبتهم لله - نلاحظ مثل هذا المعنى في أولئك المنافقين ن الناس- وفي زماننا هذا- الذين يعيشون داخرين أذلة وهم يتوددون في ملق للساسة وأولي الأمر والسلطان - وهم في ذلك يتوجهون إليهم في ضعف واستخذاء بأشد مما يتوجهون به إلى الله بارئهم.
قوله: (والذين آمنوا أشد حبا لله) إن المؤمنين يحبون الله الحب الأكبر، الحب الذي يتضاءل دونه كل حب، وإن محبتهم لله لهي أشد من محبة المشركين للأنداد على اختلاف صورها وأسمائها - بل إن محبة الله لهي إحساس مميز وفذ؛ لأنها محبة قائمة على الحق، مستندة إلى عميق الفطرة السليمة والذهن المستنير والوعي المسترشد البصير، والعقيدة الصادقة الراسخة.
قوله: (ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعا وأن الله شديد العذاب) هؤلاء المشركون الذين ظلموا في هذه الدنيا، لو أنهم يرون العذاب الذي سيحيق بالظالمين لعلموا إذ ذاك أن القوة لله وحده.
وبعبارة أخرى لو يعلم المشركون ما سيحل بهم من عذاب على ظلمهم وشركهم، لكانوا قد انتهوا عما هم فيه من ظلم ومخالفة عن أمر الله.
قوله: (إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا) وفي يوم القيامة إذ يرى الظالمون العذاب معاينة، يتبرأ المتبوعون الذين كانوا يُعبدون، من التابعين العابدين الذين كانوا ينثنون في خزي وذلة وراء الطواغيت الفاسدة من أصنام وأوثان وحاكمين وساسة وملوك.
إنه إذا قامت القيامة يُهرع الظالمون إلى من يتشبثون به فينقذهم من العذاب النازل المحدق، وهم يومئذ تتغشاهم ظلمات من الرهب والإياس فلا يجدون من حولهم أحدا يرتجون منه خيرا أو شفاعة - فلا الأصنام ولا الأوثان ولا الحاكمون ولا الملوك ولا ذوو الجاه والسطوة والمال، ولا أحد غيرهم يملك يوم القيامة شفاعة أو يستطيع أن يزحزح من العذاب قيد أنملة.
ويوم القيامة تتقطع بالظالمين والمشركين والمجرمين أسباب الخلاص والنجاة، فلا سبيل لهم حينئذ غير سبيل العذاب البئيس يوم يُساقون مقهورين أذلة إلى جهنم؛ لذلك قال سبحانه: (وتقطعت بهم الأسباب) والأسباب جمع سبب وهو يعني في اللغة الحبل، ثم استُعير لكل شيء يُتوصل به إلى أمر من الأمور 158.
وقوله: (وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرءوا منا) هؤلاء هم المشركون الذين كانوا تبعا للسادة والكبراء في الدنيا، يتمنون يوم يرون العذاب في الآخرة وبعد أن يتبرأ منهم السادة والكبراء، لو أن لهم (كرة) أي عودة أو رجعة إلى الدنيا؛ ليتبرءوا من عبادتهم مثلما تبرأ المتبوعون يوم القيامة منهم، وليعاودوا العمل من جديد فيعبدوا الله وحده دون غير من شركاء أو أنداد.