قوله: (ومن كفر فإن الله غني عن العالمين) أي من جحد فريضة الحج ولم يره واجبا فقد كفر والله غني عنه - وهو قول كثير من أهل العلم منهم ابن عباس ومجاهد وغيرهما.
وفي ذلك روى الترمذي عن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم:"من ملك زادا وراحلة تبلغه إلى بيت الله ولم يحج فلا عليه أن يموت يهوديا أو نصرانيا وذلك أن الله يقول في كتابه: (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) "180.
وروي عن عمر بن الخطاب قوله في هذا المعنى: من أطاق الحج فلم يحج فسواء عليه مات يهوديا أو نصرانيا، وعن الحسن البصري قال: قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لقد هممت أن أبعث رجالا إلى هذه الأمصار فينظروا إلى كل من عنده جدة فلم يحج فيضربوا عليهم الجزية، ما هم بمسلمين ما هم بمسلمين 181.
قوله تعالى: (قل يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله والله شهيد على ما تعملون قل يا أهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله من آمن تبغونها عوجا وأنتم شهداء وما الله بغافل عما تعملون) ذلك استفهام إنكاري فيه تقريع وتوبيخ ليهود، الذين جحدوا آيات الله، وهي الحجج والدلائل الظاهرة التي تكشف لهم عن صدق رسالة الإسلام ونبي الله محمد صلى الله عليه و سلم مع أنهم يعلمون أن الله شهيد على أعمالهم المنكرة وأنه مجازيهم عليها - ذلك أنهم مستيقنون في قرارة أنفسهم أن الإسلام حق وأن هذا النبي مرسل من ربه، ومستيقنون كذلك أن الله يعلم ما في أنفسهم من التضليل وكتمان الحق - وهذا مقتضى قوله: (والله شهيد على ما تعملون) .
وثمة استنكار بالغ آخر فيه من التعنيف ما يندد بيهود لصدهم عن سبيل الله - والصد يعني المنع، صد عنه صدودا، أعرض، وصد فلانا عن كذا صدا أي منعه وصرفه عنه 182 والمراد بصدهم عن سبيل الله أنهم كانوا يفتنون المؤمنين ويحتالون لصدهم عن الإسلام بمختلف الأساليب والحيل كإلقاء الشبهات والشكوك في قلوب الضعفة منهم - وقيل: أتت يهود الأوس والخزرج فذكروهم بما كان بينهم في الجاهلية من العداوات والحروب؛ ليثيروا في نفوسهم البغضاء والمشاحنة فيعاودوا القتال بينهم، وسبيل الله يعني دينه الحق وهو الإسلام.
قوله: (تبغونها عوجا) أي تطلبون لها اعوجاجا وميلا عن القصد والاستقامة و (عوجا) منصوب في موضع الحال، وكذلك الجملة القرآنية (تبغونها عوجا) في محل نصب على الحال، والهاء في (تبغونها) عائدة على السبيل، وتأويل الآية أنكم تطلبون لسبيل الله، الذي هو الإسلام، الزيغ والميل والاعوجاج - ذلك أنكم تلبسون على الناس وتوهموا لهم أن فيه عوجا عن الحق والاستقامة وأنكم وحدكم على الطريق المستقيم، مع أنكم تشهدون ما تجدونه مكتوبا عندكم في التوراة أن الإسلام وهو دين الله وأنه الحق المستقيم، وأنه لا يجحده أو يستنكف عنه إلا ضال أثيم 183.