فهرس الكتاب

الصفحة 359 من 2536

وإذا لم يكن ثمة موانع لكنه لا يملك الناضّ 177 من المال بما يكفيه للحج، لكن عنده عروض للبيت كالأثاث والفرض فهل يبيع شيئا من ذلك لكي يحج؟ ثمة قولان في ذلك وهما: وجوب البيع وعدمه - والراجح عندي عدم وجوب البيع ليصير الحج في حقه غير مفروض مادام لا يملك مؤونة الحج من غير عروض البيت - لأن في بيع الأثاث وفرش البيت حرجا علاوة على أن مثل هذا الأثاث هو من قبيل المال المستهلك الذي لا ينبغي التعويل عليه عند تحصيل الزاد للسفر ولو كان مريضا أو معضوبا 178 لا يستمسك على الراحلة ولا يثبت عليها فهو بمنزلة من قطعت أعضاؤه إذ لا يقدر على شيء - وثمة خلاف بين العلماء في حكم ذلك بعد إجماعهم أنه لا يلزمهما المسيرة إلى الحج؛ ه لأن الحج؛ لأن الحج إنما فرضه الله على المستطيع إجماعا، أما المريض والمعضوب فلا يستطيعان المسير أو السفر - وقد قال الإمام مالك: إذا كان معضوبا سقط عنه فرض الحج أصلا سواء كان قادرا على إنابة من يحج عنه بالمال أو بغير المال فلا يلزمه فرض الحج - ولو وجب عليه الحج ثم أصابه عضب أو زمانة، فقط سقط عنه فرض الحج ولا يجوز أن ينيب عنه من يحج عنه حال حياته، لكنه إن أوصى أن يُحج عنه بعد موته جاز على أن يكون من الثلث وكان ذلك تطوعا - ودليل ذلك قوله تعالى: (وأن ليس للإنسان إلا ما سعى) ولأن الحج هو قصدُ المكلفِ البيتَ بنفسه، ثم إنه عبادة وهي لا تدخلها النيابة كالصلاة والصوم، ذلك هو الظاهر من مذهب المالكية في المسألة، خلافا لجمهور الحنفية والشافعية والحنبلية إذ قالوا: المريض الزمن والمعضوب والشيخ الكبير إن كان ثمة من يطيعه إذا أمره بالحج عنه فهو مستطيع تماما ويجب في حقه الحج في الجملة - وصورة ذلك من وجهين:

أحدهما: أن يكون قادرا على مال يستأجر به من يحج عنه، فإنه يلزمه بذلك فرض الحج - وهو قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه - فقد روي عنه أنه قال لشيخ كبير لم يحج: جهز رجلا يحج عنك، وهو مذهب الجمهور كما ذكرنا آنفا.

وثانيهما: أن يكون قادرا على ما يبذل له الطاعة والنيابة فيحج عنه، فقد لزم هذا الحج عنه - وهو قول الشافعية والحنبلية وآخرين - واحتجوا لذلك بما رواه ابن عباس أن امرأة من خثعم سألت النبي صلى الله عليه و سلم فقالت: يا رسول الله إن أبي أدركته فريضة الله في الحج وهو شيخ كبير لا يستطيع أن يستوي على ظهر بعيره - فقال النبي صلى الله عليه و سلم:"فحجي عنه أرأيت لو كان على أبيك دين أكنت قاضيته"؟ قالت: نعم، قال:"فّدين الله أحق أن يقضى"فقد أوجب النبي صلى الله عليه و سلم الحج بطاعة ابنته إياه وبذلها من نفسها له بأن تحج عنه - فإذا وجب في حقه الحج بطاعة ابنته له، فإن من الأولى وجوبه عليه عند قدرته على المال الذي يستأجر به - وإذا لم يكن للمكلف قوت يتزود به في الطريق فإنه لا يلزمه الحج - وإن وهب له أجنبي مالا يحج به فإنه لا يلزمه قبوله ولا يجب في حقه الحج؛ لما يلحقه في ذلك من المنّة - وهو ما لا خلاف فيه 179.

ولا يفوتنا التنبيه هنا إلى التحول المذهل في وسائل النقل وأساليب السفر في هذا العصر حيث السفائن تمخر عباب البحار لتفضي إلى البلاد الحجازية خلال سويعات من نهار، أو الطائرات التي تجوب أجواز الفضاء لتبلغ في دقائق معدودات ما لم تبلغه الرواحل الظواعن في الزمان المنصرم، وما يستلزمه ذلك من أعباء مالية لا يستهان بها، إن ذلك ينبغي اعتباره في الحسبان لدى النظر في حقيقة الراحلة كشرط لوجوب الحج - يضاف إلى ذلك ما بيناه سابقا وهو اضطلاع الحجيج بضرائب السفر يؤدونها للدول عند المجاوزة أو المرور.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت