والمراد بالسبيل التي يجب مع استطاعتها فرض الحج هو الزاد والراحلة، وقد ذهب إلى ذلك أكثر العلماء، ويحتج لذلك من الخبر بما رواه الحاكم من حديث قتادة بإسناد عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه و سلم سئل عن قول الله عز وجل: (من استطاع إليه سبيلا) فقيل: ما السبيل؟ قال"الزاد والراحلة"174 قال ابن عباس في تأويل قوله: (من استطاع إليه سبيلا) : السبيل أن يصح بدن العبد ويكون له ثمن زاد وراحلة من غير أن يجحف به.
المراد بالزاد مؤونة السفر مما يحتاج إليه الحاج في سفره كالطعام والكساء ونحوهما، يضاف إلى ذلك ما يلزمه في هذا العصر من رسوم مالية يؤديها ضريبة للمرور، أو غير ذلك من وجوه المغارم المنكودة مما يعاني منه المسلمون، وخاصة في زماننا هذا، وذلك كلما جاوز بلده إلى غيره من بلدان المسلمين كالحجاز.
أما الراحلة فهي في اللغة الناقة التي تصلح؛ لأن ترحل 175 وهي أحد الشرطين لتحصيل السبيل من أجل وجوب الحج - وعلى هذا إذا ملك الزاد والراحلة لزمه فرض الحج بنفسه، وإن عدم الزاد والراحلة أو أحدهم سقط عنه فرض الحج، وهو قول كثر العلماء، ويؤيد ذلك من الدليل جواب الرسول صلى الله عليه و سلم لما سئل عن السبيل فقال:"الزاد والراحلة"176.
أما إن كان قادرا على المشي مطيقا له ووجد الزاد أو قدر على كسب الزاد في الطريق فلا يلزمه الحج وجوبا، بل يستحب في حقه استحبابا - وإن قدر على تحصيل الزاد بمسألة الناس يتكففهم في الطريق كره له الحج؛ لأنه يصير بذلك كلا على الناس وهو ما لا يليق بكرامة المسلم وشهامته - وقيل: إذا قدر على المشيء ووجد الزاد فعليه فرض الحج وإن لم يجد الراحلة - وأجد أن في مثل هذا القول حرجا بالغا يصيب المسلم ويكلفه من التعسير والإعنات ما لا يطاق إلا بغاية من المشقة والكرب - وقد تعلمنا من شريعة ربنا قيام هذا الدين على السهولة واليسر ومنافاته للعنت والضيق وذلك في قوله عز من قائل: (وما جعل عليكم في الدين من حرج) .
وإذ كان المرء المكلف مستطيعا بما تحصل له من زاد وراحلة، لكنه ربنا يعرض له ما يمنعه من الحج كالغريم (الدائن) يطالبه بالأداء فإن ذلك يمنعه عن الخروج حتى يؤدي الدين للغريم، أو يكون له عيال يناط به الإنفاق عليهم فإنه لا يلزمه الحج حتى تتوفر لهم نفقتهم مدة غيبته طيلة ذهابه ورجوعه؛ لأن هذا الإنفاق فرض على الفور، لكن الحج فرض على التراخي، فكان تقديم الإنفاق على العيال أولى وكذلك يسقط الحج إذا كان في الطريق عدو يطلب الأنفس أو الأموال.